
الحاجز التكنولوجي وإمكانية تغير الوضع السائد
وجهة نظر إسرائيلية بشأن تراجع الدول الإسلامية والعربية – تال راشيف
على الرغم من أن الدول الإسلامية كانت في الماضي البعيد معروفة بوصفها جواهر العلم والازدهار الاقتصادي، أدت الهيمنة الدينية المكثفة والثقافة القبلية بأغلب العالم الإسلامي إلى البقاء في الخلف وعدم الاستمرار في التقدم نحو الأمام مثل الغرب والشرق الأقصى. تُرى هل بالإمكان تغيير الوضع عما هو عليه؟ من المجد إلى الهزيمة : كان العالم الإسلامي قبل مئات السنين معروفا بوصفه جوهرة العلم. وحافظت المراكز الإسلامية في العراق، إسبانيا ومصر في منتصف العهد الوسيط، على المعرفة منذ زمن اليونان وروما، وأنجبت عمالقة الجوهر مثل ابن رشد وابن سينا، وازدهرت اقتصاديا، ولكن منذ ذلك الحين تدفقت المياه مدرارا إلى دجلة والفرات. تتواجد في العالم عشرات الدول العربية الممتدة من أقصى غرب قارة أفريقيا وحتى نهاية الشرق الأوسط. وتختلف تلك الدول الواحدة عن الأخرى بمميزات عديدة، بيد أنها تمتلك قاسم اقتصادي مشترك واضح – يتمثل في أنها لم تنجح ولو واحدة منها في بناء اقتصاد يستند إلى مورد بشري، صناعي وتكنولوجي.
تفسير جديد للقرآن الكريم
ما هي المنطقية التي سيتغير فيها مثل هذا الأمر في المستقبل، وتعود الدول العربية لتكون الهدف المنشود للاستثمار؟ في هذا الواقع الإسرائيلي يوجد سؤال يفتقر للإجابة، وهناك منْ يورد له إجابات من اليمين واليسار، بيد أن هذا من الجدير بالاهتمام أن نعرف الإمكانية الاقتصادية للدول المجاورة لإسرائيل، مما يلزم التفكير بذلك بشكل معقول وبمعزل عن الرؤية السياسية.
تتواجد دول عربية ثرية، تلك هي الدول النفطية التي اغتنت منذ السبعينيات حتى ظهر مصطلح الـ”بترو دولار”، الفائض من الدولارات التي مصدرها هي أرباح الدول ذاتها. ويوجد في المكان الموجود فيه النفط، نجاح اقتصادي، بينما يقبع الفقر في المكان الذي يغيب عنه، لكن لماذا لا يوجد نجاح اقتصادي بدون النفط؟ لماذا لا تستطيع الدول العربية إنتاج ما تنتجه دول أمريكا الشمالية، أوربا وآسيا الشرقية ؟ تُرى هل هذا نابع من كونها دول إسلامية وأن الإسلام يمنع الإنسان المؤمن من تطوير اقتصاد تكنولوجي ؟
وقد التقيتُ بالأستاذ أوريا شافيط من جامعة تل أبيب، بغية استقصاء تلك الأسئلة. نشر شافيط مؤخرا كتابه الموسوم “الحرية العلمية والسياسية في الإسلام” عن (دار نشر راتلدج). وطبقا لادعائه، تتبنى التيارات المركزية في الفكر الإسلامي العربي البحث العلمي التجريبي وحتى توصي بالاهتمام فيه.
وهي لا ترى تناقضا بين الحياة الإسلامية الدينية وبين الاهتمام في العلم حسب، وإنما تشير إلى طرق حل التناقضات التي من شأنها أن تتولد إزاء الاكتشافات العلمية أيضا، أحيانا عن طريق تقديم تفسير جديد لما يظهر في القرآن الكريم.
حينما لا تكون هناك حاجة – ليس هناك اختراع
مع ذلك، يقدم بحثه الجديد تناقضات داخلية في وجهة نظرها، ويطرح إيضاحا مفاده أن مصدر الضُعف العلمي والتكنولوجي في الدول العربية لا يكمن في التيارات الدينية المتطرفة، وإنما لاسيما في التضليل، وكأنما المجتمع بمقدوره ضبط سلطة الدين والمحافظة على الانفتاح في الوقت ذاته. ويتوجب في المجتمع التيوقراطي – الديني بحكم رجال الدين – ، أن يكون شخصا ما حاكما وحازما وعندما توجد صلاحية – لا توجد منافسة، ولا دينامكية فكرية مفتوحة وطبقا لذلك ينتفي التقدم.
ولا يرى الدكتور ناحوم شيلا المستشرق والخبير بشؤون المشاريع في دول الخليج، وجود سبب واحد وراء هذه الظاهرة فقط، وإنما تنوع من العوامل التي تقف في أساس الدول المقصودة. وعلى سبيل المثال، دول مثل الجزائر والعراق قد مزقتهما الصراعات على امتداد التاريخ التي منعتهما من استخلاص جهدهما، بينما لم تحتاج الدول النفطية الغنية إلى التطوير الصناعي والتكنولوجي جراء تدفق النقود عليها وعندما لا تكون هناك حاجة – ليس هناك اختراع.
وترى الدكتورة تامار عيلام كيندير الباحثة في الشؤون الإيرانية من مركز شاليم الأكاديمي ومركز عزري، كيف يوجد استثمار كبير في المجال التكنولوجي وممتاز، ولكن على الرغم من ذلك يقوم الباحثون الإيرانيون الناجحون بذلك من خارج نطاق بلدهم. وعلى العموم، ترى عيلام كيندير أن التخلف التكنولوجي الاقتصادي يحصل لاسيما في الدول الإسلامية المخضرمة.
وتسارع في الإشارة إلى أنها ليست خبيرة بشؤون البحث المتعلق بالدين الإسلامي، بيد أنها مع ذلك ترى الروحية المعارضة للتأمل المفتوح وللتقدم في هذا العالم الثقافي، حتى إذا لم يكن المقصود بالأوامر الصادرة عن الشريعة أيضا. فكلما مر وقت أطول على وجود الدولة الإسلامية زاد توجهها أكثر نحو الروحية ذاتها.
وتبدو دول مثل اندونيسيا وألبانيا اللتان استقبلتا الدين الإسلامي في حقبة متأخرة نسبيا، أكثر انفتاحا للتأمل الجديد. وربما يوضح هذا الأمر لماذا كان ممكن في السابق في هاتين الدولتين رقي العلماء، بيد أنه الآن لا يحدث.
ليست ظاهرة دينية، وإنما ثقافية
ظهرت في السنوات الأخيرة يقظة في عدد من الدول الإسلامية غير الثيوقراطية في جوهرها، فقد حدثت مسيرات اقتصادية جيدة في اندونيسيا وماليزيا وألبانيا والبوسنة – جميعها دول مسلمة غير أنها ليست ثيوقراطية ولا عربية. كذلك، تمتعت تركيا بمثل هذه الدول لسنين عديدة بالازدهار الاقتصادي تحت سلطة حزب العدالة والتنمية الإسلامي.
يبدو أن الصناعة التكنولوجية والازدهار الاقتصادي بوسعهما السير يدا بيد مع الإسلام. وفي أعقاب ذلك، يمكن فهم لماذا يحصل ذلك في هذه الدول على الرغم من كونها مسلمة، ولماذا لا يحصل ذلك في الدول التي يسيطر عليها الدين. لكن إذا كان الأمر كذلك، لماذا لا يحصل في الدول العربية العلمانية؟ وبوسعنا أن نرى حينما ننظر في الخارطة، أن جميع الدول الإسلامية التي نجحت في السنوات الأخيرة في التطوير الاقتصادي ليس على أساس نفطي، هي الدول المتواجدة في هامش الدائرة المركزية للإسلام، سواء في جنوب شرق آسيا أو في البلقان، أم دول ليست صحراوية. وشرعت حتى بنكلادش الفقيرة في السنوات الأخيرة، الكائنة شرق الهند، بالتطور الصناعي وبالنمو.
يبدو أن هذا الأمر ليس ظاهرة دينية، إنما ثقافية. فمثلما رأى الأستاذ شافيط، ربما يعيق الإسلام انتعاش الاقتصاديات التكنولوجية والبحث العلمي في الدول التي يهيمن عليها الدين، ولكن ليس في الدول العربية العلمانية. ولا ينبع كل شيء من الدين وهناك ثقافة تقف خلف الأمور. وهناك تعارض بين السير نحو التقدم الصناعي التكنولوجي وبين ثقافات المنــــاطق الصحراوية.
حاجز المياه الجوفية العميقة
تُعد أغلب الثقافات السائدة في الصحراء قبلية، تنمو من مجموعات صغيرة تؤمن بلا حدود بقادة المجموعة، وهي محافِظة وتعارض التأثيرات القادمة من الخارج. وتستمر هذه الظاهرة بالتواجد طوال السنين وتتجاوز الذاكرة التاريخية، حينما بدأ سكان دول مثل إيران، سوريا وليبيا الانتقال بجماهيرها للاستيطان في المدن أيضا.
ولا يرتبط هذا لاسيما بالإسلام، ويمكن أن نشخص ضمن ذلك الدول المسيحية الصحراوية الكائنة جنوب الهلال. وتعارض الثقافات الصحراوية الثقافة الغربية، التي ترفع من شأن الفرد ومن مبادرته.
كما أنها تختلف عن ثقافات شرق آسيا، التي هي ثقافات أكثر قومية وحضرية، إذ يُعد الولاء المركزي فيها للدولة وليس للقبيلة ويثقفون فيها للعمل الصعب وللتعليم.
وسواء إذا كان التخلف الاقتصادي والتكنولوجي للدول العربية نابع من كونها ذات ثقافة صحراوية، أم إذا توجهت جراء ذلك طوال السنين نحو الروحية القبلية، ويبدو إذا كان هذا أو ذاك فإن حاجزها إزاء البحث العلمي وإقامة الصناعات التكنولوجية ينبع من المياه الجوفية العميقة جدا.
ولا تختفي ولو بشكل عام، الحواجز الثقافية بسهولة. وإذا كانت تلك هي مصادر الظاهرة فعلا، عندئذ من المتوقع بعد عشرات السنين، عندما تتمدد في التقدم نحو الأمام وتزدهر لتحيط بدول شرق آسيا، الهند، الغرب وأمريكا اللاتينية، ستبقى الدول الصحراوية ولاسيما العربية منها، في الخلف.
وتظهر من كل ذلك، علامات استفهام لرجل الأعمال المهتم بالاستثمار في تلك الدول، ويطرحُ سؤال أيضا مفاده هل يُعد هذا الأمر جيدا أم سيئا لـ”دولة” إسرائيل أن يواصل أكثر السكان المتواجد في محيـطها العــــيش على الكــفاف ؟
{ صحيفة يديعوت أحرونوت أون لاين، العمود الاقتصادي 2017– 3 – 17.
















