
قصة قصيرة
هواجس العودة – آلاء الخيرو
هاهو يوم عودتي الى ايام الصبا قد حلّ، وها انذا اتأمل حقيبة سفري الصغيرة ، حيث أقف وحيدا في مطار شبه خال، والطائرة كانت هي الاخرى شبه خالية. أرتدي ثيابي الكاملة وتوشك ربطة العنق أن تخنقني. أخذتني نوبة سعال ولكني رفضت الشراب الذي عرضته المضيفة.فور أن تصعد الطائرة تختفي الأرض فجأة وأجد نفسي بين السحب، أمواج رمادية متكاثفة لا تنقطع، ولا تخف كثافتها، كأنها تقف في انتظارنا من دون أن تدفعها الريح أو تمزقها الرعود، صحراء قاحلة من السحب، قمم من تلال معتمة ووديان غائرة تحتوي الطائرة في قبضة واحدة فيبدو كأن لاشئ يتحرك ، تنقطع عن كل ما هو واقعي وصلب. انخلع قلبي وأنا أشاهد طائراً رمادياً متدثراً بالضباب يمرق كومضة قدرية داخلا إلى جوف محرك الطائرة من دون عودة ومن دون أن تتناثر فيه ولو قطرات ضئيلة من الدم، فأتخيل بيتنا قديماً في صباحات الموصل، حيث كنت أخرج أنا وأبي صباحاً لندخل في متاهة من جبال القطن المندوف. يمسك أبي بيدي الصغيرة وهو خائف علي من الضياع، أرى الأشجار الضخمة وهي تطل بأوراقها الكبيرة اللامعة لتحول بيننا وبين أشعة الشمس فتنسج خيوطًا متلألئة من الضوء. وكنت حينها أسمع صوت سعال عمال التنظيف قبل أن المح أشكالهم، لا يتوقفون عن الحركة وهم يحملون فرشهم ويلقون بها في كل أنحاء الشوارع ، فقال أبي حينها لا يخدعك مشهد السكون الصباحي، فخلف هذا الهدوء العذب توجد دائماً قسوة .والآن ماذا تخبئ لنا تلك السحب التي أسري فيها وحيداً ، وكيف أعرف طريقي في يوم غائم يليق بالموت كهذا اليوم. تهبط الطائرة من دون أن أرى شيئاً من معالم الأرض ، لا يلتفت أحد إلي وأنا أسير في الطرقات الطويلة حاملاً حقيبتي ، أتوقف أمام ضابط الجوازات الذي يبحث بلا اهتمام عن سجلي داخل جهاز الكومبيوتر ، ألمح بطرف عيني الحروف الخضر على الشاشة “لاشئ” ،كأن السحب مازالت تحيط بي وتحولني إلى لا شئ .أواصل عبور الحواجز كلها من دون أن أكون مرئياً من أحد فكل من حولي يتعانقون. تطفر الدموع من أعينهم فلا تطفر من عيني دمعة واحدة ، يجب أن لا أرثي نفسي أكثر من ذلك فالمدينة التي غادرتها وأنا شاب يجب أن تستقبلني وأنا الآن صلب العود ،أقول لسائق سيارة الأجرة:- أريد الذهاب الى موقف الحافلات الذاهبة إلى منطقتي.يقول لي :- وما حاجتك إلى الحافلة، أستطيع أن أقودك إلى بلدتك مباشرة، كن سخياً وأرح نفسك.
عبثاً أقول له:- أنني حزين لدرجة لا أحتمل معها السفر وحيداً .
أصرخ فيه أن يأخذني إلى الموقف والا سعيت إلى غيره ، يقودني بروح من العداء طوال الطريق ، أطلب منه أن يطفئ سيجارته فيرفض ، اكتشفت أن زجاج النافذة معطل، فأحسست بأنه مقفول على قلبي، أصبحت بلا سند في هذا الكون الواسع، فهل كان محتم عليّ الرحيل؟تتحرك بي الحافلة مع غروب الشمس، بعد أن تصبح المدينة أكثر ازدحاما وحزناً ، تمتلئ الحافلة بوجوه متعبة وصامتة أنهكها تجوال اليوم الطويل، يشبهون أناساً يتراءى لي انني أعرفهم ولكني لا أعرف اسماءهم. أرى مياه النهر وقد تلونت باللون الأحمر فيرتجف قلبي في حنين يبعث على الأسى . تخرج بي السيارة من المدينة فيما لاتزال بقايا اشعة الشمس قابعة خلف الأشجار ، ولأنني لا أشعر بالراحة إلا عندما يغرق كل شئ في الظلام ، فقد أغمضت عينيّ من دون أنى أغفو.أضواء منطقتي مليئة بالماء وما زالت الرعود تهزها بين الفينة والأخرى فتحدث في نفسي رجفة ، أحاول عبثا أن أقنع أحد سائقي سيارات الأجرة بأن يقلني إلى بيتنا ، وأخيراً يوافق أحدهم مقابل ثلاثة أضعاف الأجر ، مبديًا تذمره من ان كل الطرقات التي تؤدي إلى المكان كانت متكسرة وموحلة في مثل هذا الوقت من العام. ما أن تبدأ السيارة في السير حتى يرتد الزمن بي، تستيقظ الأصوات وتصعد الروائح القديمة مشبعة بالطين والمطر. تضيق حولنا الطرقات حتى توشك السيارة أن تحف بالجدران المتشققة، ننفذ الى الشارع الطويل المؤدي لبيتنا، أهبط وسط برد الليل، المسجد مغلق، وكذلك المقهى ، ولا أحد من الناس الذين كانوا في دخولي وخروجي يقولون لي: (طالت غيبتك يا بني) . احسست كأنني كنت موجوداً ولم أكن غائبًا مدة طويلة، بعدت حتى تناءت . لقد تكاثرت مشاكل وجودي في هذا العالم حتى أصبحت أضيق بهذا الوجود .. أحمل حقيبتي الصغيرة وأخطو وسط الأوحال، أخشى الانزلاق وأنا لا أستطيع أن أرى ماحولي بوضوح، يزحف الوحل من حذائي الى أطراف بنطلوني ، أصل إلى باب البيت في صعوبة، أقف أمام عتبات السلم المظلم وأنا غير مصدق، انها المرة الأولى التي أجد فيها مصباح السلم غير مضاء. كان أبي يحرص على إضاة ءالسلم كل يوم من السادسة مساءً ويبقيه على هذه الحالة طوال الليل عندما كنت موجوداً فقد كان يعرف أنني أهوى التجوال ليلاً.أنادي بصوت عال:-يا أمي أنا هنا، فلينر لي أحد المصباح .
لا أحد يرد علي ، لا أحد يتوقع قدومي أنادي على أختي التي تسكن الدور العلوي من دون جدوى ،العتمة مخيفة وما أشعر به أكثر رعباً،أصعد الدرج وأنا أستند الى الحائط ، أحس بانتعاشة باردة تتسلل الى عروقي ، أخاف أن أتعثر أو أن أدوس على قطة ضلت طريقها في تلك الحديقة المظلمة.أصل الى الباب الخشبي وأبدأ في الدق عليه ،أنادي: (يا أمي أنا متعب وبردان).لا أحد يرد، سافرت من الصباح الباكر وها أناذا أقترب من منتصف الليل من دون مأوى أعرف إن العزاء في غيابي قد أنتهى ،ولكن ثمة مكاناً لي فليس هذا هو العقاب الأخير،مازال هناك مزيد من العقوبات في انتظارنا. يفتح الباب تحت إلحاح طرقي المتوالي. لقد ذهب الحرص على انتظاري بعد ذهابي ، فكيف يمكن لأمي أن تواصل حياتها من دون الحب الذي أوفره لها كإبن بار. أدخل الى الصالة المظلمة ، يشع ضوء شاحب من الغرفة التي تعودت الجلوس فيها ، أقترب ببطء من دون أن أجرؤ على إصدار أي صوت. أرى جالساً على السرير كما تعودت أن أراه، يدير رأسه حولي ويقول بهدوء من طال انتظاره :-جئت أخيراً يا بني ؟
أتقدم منه وأنا أكتم عبراتي واعتذاري، وأهتف:-يا الله يا أبي، قالوا لي أنك قد رحلت، وأسمع همسي يقول لي(يبدو في حقيقة الأمر أن أمي وأختي من أستعجل الرحيل).
يبتسم ابتسامة شاحبة تحت الضوء الشاحب:- وهل كان يمكن أن أرحل قبل أن أراك؟
أجلس أمامه على حافة الفراش، أتأمل بريق عينيه الذابلتين تحت آلام السنين ، ووجنتيه البارزتين، وأرقب ابتسامته الواهنة لعلها تسطع على وجهه. يحاول هو أيضاً أن يرى خلف ملامحي ذلك الطفل الذي حمله على ذراعيه ذات يوم قبل أن يتساقط شعره وتكتب السنين تعابيرها على وجهه، يفاجئني بالسؤال :- ما الذي يؤلمك يا ولدي؟
تتوالى أسئلته عن أيام الغياب ويختصر كل العتابات والاعتذارات، حيث من المستحيل أن أقنعه بإجابة عائمة، أوشك أن أجهش بالبكاء حزناً على نفسي هذه المرة وعلى سنين من الفراق ذهبت هباءً بعيداً عن أحضانه، أقول له مندفعاً وغير قادر على إخفاء مشاعري :- متعب يا أبي، ولا أدري لماذا تلح عليّ فكرة الانتحار ،أحاول أن أبعدها عن ذهني باستمرار ولكنها لا تكف عن معاودتي .يقول في إشفاق:- أستغفرك ربي وأتوب إليك إني كنت من الظالمين،اهدأ يا بني، ما يؤلمك هي نفسك المتصارعة، والأكثر إيلاماً أن أحزانك مستعصية على الالتئام، كبرت وكبرت همومك.
– أتعلم يا أبي أن الكون بكل فضاءاته الرحبة بات يخنقني، وكيف لتلك النفس الواحدة تتسع لكل هذه المرارات، أتعرف السبب يا أبي . يا أبي، لقد تباعدنا، ففقدنا ذلك النجم الهادئ الذي كان يقودنا عبر الشوارع حتى في أيام الرزق الضيقة ولحظات الفرح القليلة، كنت أسير بجانبك، وأحياناً أسير خلفك دون أن تراني،يحدث هذا في اللحظات التي أكون فيها متضايقاً وترفض فيها أن تصحبني معك،أقف بعيداً وأنا أشاهدك جالسا في المقهى تضحك مع أصحابك وأنت تشرب فنجان القهوة المضبوط ،كنت أحب أن أراك تضحك بل كنت أتمنى أن أراك فرحاً، ولكني أصاب بالملل من طول الانتظار والمتابعة ،أحاول أن أعود وحدي الى المنزل ، وأنا أتتبع نجمًا ساكنًا ومع ذلك آخذ في التخبط في طريقي إلى بيتنا، كثيراً مابكيت من شدة التعب. فيسألوني انت أبن من ؟ فأعطيهم إجابات خاطئة ، عندها أداري آلامي فأنام بجانب حائط ،او على باب مسجد حتى تأتيني يا أبي فأنت الوحيد من يمتلك القدرة على معرفة مكاني،أستيقظ ثم أتظاهر بالنوم لأظل على كتفه حتى نعود الى المنزل . أقول لك: كيف كنت تعرف مكاني ؟ فتختصر كل الكلام بالقول لي : كنت أشم رائحتك .نتبادل ضحكة هادئة، أُسر لأنني تخلصت من هذه البداية الكئيبة ، كان يسعد دائماً عندما أسترد جزءا من طفولتي ، ويعود هو أبي نفسه الذي يضيع عندي كل تعب عمره فيقول:خذ راحتك، تمدد على الفراش، ولكن أخلع حذاءك أولاً، فأنت كالعادة قد لطخته بالطين.
حيث كنا معاً في الماضي نجتاز وسط الطين الشارع الضيق الذي يقع منزلنا في آخره، بعد ليلة طويلة ممطرة لا يوجد أي مكان جاف، يقول لي: دعني أخط أنا أولا ثم أتبعني، كنت أرتعد، دائماً ما أن يأتي الشتاء ،وأنا لا أملك الثياب الملائمة لمواجهته ، كان أشد الفصول كراهية إلى نفسي لأنه يكشف كل ما حاولت أن أخفيه طوال العام، ودائماً ما كان يخبرني:ها أنت ياولدي سيمضي كل شئ، فقط خذ بالك وسوف نصل نظيفين إن شاء الله.
أما المارة الذين رأوا ثيابي نظيفة نسبياً وحرص أبي الزائد التصقوا بالجدران وتركونا نمر دون رذاذ ،، نصل أخيراً إلى نهاية الشارع، نستند إلى جدران المسجد، ويقدم لي أبي الحذاء النظيف الذي كان يحمله طوال الوقت وهو يقول :أخلع حذاءك المتسخ والبس هذا الحذاء، الآن تستطيع الذهاب إلى الكلية دون مشاكل مع السلامة.يقول مبتسماً وهو يفسح لي مكاناً في السرير مقابلة :الم أقل لك، كنا دائما معا في الصحو والغيم كما يقولون، لعن الله المسافات التي تفرق بين القلوب المتحابة وجزا الله الحنين.
أريد أن أقول له أنني أكثر من يعاني من أتساع المسافات، وان العالم قد تباعد من حولي بطريقة تثير الأسى، تباعدت الأشجار التي كنت أعرفها والبيوت التي كنت أزورها والأشخاص الذين أتوق وأحن لأنام بين أحضانهم، فكيف تريد مني يا أبي أن أعيش بنفس غير منقسمة ؟ يقول أبي :أنت مخطئ يا ولدي، الأرواح تحتل فراغ هذا العالم من حولنا إنها قريبة منا وإن كنا لا نراها، لولاها لكنا متنا من الوحشة والافتقاد.
يصمت قليلا ثم يتأمل حقيبة سفري الصغيرة جداً ، ثم يقول وعلى وجهه ابتسامة غير عابئة:ماذا أحضرت لنا معك .
أقول معتذراً :- كنت متعجلاً فلم أحضر شيئاً .
يقول وهو ينظر داخل حقيبتي وأنا أفتحها: على الأقل أحضرت كتاباً نقرأه معاً.
قال كلمته وسكت في ظلمة الغرفة التي نقطن فيها وبات يلاعب بلا مبالاة مسبحته التي خيوطها من الحرير ويظل إيقاع خرزها المصنوعة من الكهرب تدق الكثير من الألم والذكريات في وجيب قلبي حتى أشعر أني قريب من الموت، أجلس بجانبه وهو منكفئ على مسبحته يقذف حباتها الواحدة ليلقفها باليد الأخرى، وأرقبه مخلوع اللب وهو يحركها في براعة لا تعرف الكلل.أنتهز فرصة ابتعاده عن المسبحة فأحاول تقليده ولكنها تقع من يدي وخيوطها الحريرية تتقطع مني، أراه بعد ذلك وهو منكب عليها يعيد عقدها من جديد. تسرح يده الضخمة الخشنة بنعومة بين الخيوط الرقيقة بينما تتمزق عند أي لمسة من يدي الصغيرة. ويقول ضاحكا : الحرير كالنساء يا أحمد لا يحسن التعامل معهن إلا من يفهمهن، وأنت لم تفهم ولم تحسن التعامل لا مع الحرير ولا مع النساء، لأنك تجلس وحيدا وتقضي ساعات طويلة في القراءة ، ما رأيك لو جئت بكتبك إلى الغرفة وتجلس لتقرأ معي .
وهكذا بدأنا رحلتنا معا بين الصفحات القديمة لكتاب الجيب والمسامرات والقصص العالمية، تمتعنا برحلات الكتب التي أمامنا، وضحكنا طويلاً على المقالب التي يقوم بها دراكولا المضحك وكيف كان مرناً بالاختباء في الغابات الباردة هربا من الشرطة.والحب الكبير الذي توّجه غارسيا ماركيز في صفحات قصته حب في زمن الكوليرا،وفيرترز يبعث برسائل آلامه ويموت محسورا من دون جدوى. يعلق أبي قائلا أنه أيضا أضاع الكثير من الفرص وقد تراكمت الرمال على الكثير من أحلامه حتى فقدت دروب العودة. وحينها أحسسنا أنا وأبي كأنما خرج لنا من خلال ذكرياتنا الجني من قمقمه وسألناه عما نتمنى فهتفنا معا: غرفة أقل رطوبة وحريراً أقل تلفا. شربنا حساء العدس وشعرنا بقليل من الدفء، وأمتلكنا خيوطًا من الكلمات والنزوات تربط بين الأب المنكفئ على نول المسبحة الحريري، وذلك الابن الذي يمسك كتابا ممزق الأوراق وكأنه كل حياته. نضحك معا ونتأوه في الوقت نفسه ، إذ لم نعد في لحظة نادرة وحيدين ولم نعد في حاجة إلى الكون المشعث البائس في الخارج ، وفي النهاية عندما افعمت صدورنا بكل أنواع الكلمات كنا نجلس متجاورين صامتين تماما نفكر تقريبا في الشئ نفسه. يقول لي أبي مبتسما:- بم تفكر ياأحمد.
فأقول له دعابتنا الشهيرة: في الشيء نفسه.
أنهض من مكاني على حافة السرير وأحتضن جسده الذي أصبح شديد النحافة والوهن، أعتذر له عن التباعد بسبب كثرة الأسفار فيقول لي :
-كم أخشى عليك من تلك الطائرات، الأرواح فقط هي التي تقدر على الابتعاد عن الأرض، لابد لكل واحد منا أرض يلامسها وإلا ضاع الأمان.
يغمض عينيه ويرجع بظهره إلى الوراء، أشعر بالخوف وبالوحدة من أن يتم الرحيل بغتة، أستحضر في داخلي صمت الغرفة ورطوبتها، أصبح ذلك الطفل الصغير الممسك بكتاب ممزق، أحاول أن أقول له شيئا مسليا كما كنت أفعل في السابق، شيئا يعيد إرتباطه بلحمة الحياة فأقول له:أفتح عينيك يا أبي واستمع إلى ما سأقوله عن سفرتي الأخيرة تركيا التي يقولون عنها أنها أجمل دول العالم، هناك قصر بناه حاكم قديم من خشب وحدائق الورد، كان مليئا بالغرف والقاعات، واهم ما فيه أنه جعل هناك فراغا أجوف بين كل جدار وأخر ، بحيث أصبح القصر كله أشبه بصندوق رنان،وكان السلطان يجلس مع زوجاته ومحظياته في إحدى الغرف بينما تجلس الفرقة الموسيقية للعزف في غرفة أخرى، وتنساب الموسيقى من خلال الجدران الجوفاء إلى كل مكان في القصر، وحتى بعد أن تتوقف الفرقة الموسيقية عن العزف يظل خشب الورد يشع بالموسيقى، من خلال تجاويف الجدران التي تمتلأ بالموسيقى لتبقى محتفظة بها إلى ساعات طويلة.فرحت لأنني قد جذبته بعيدا عن بوابة الغياب، يفتح عينيه ويحدق في طويلا كأنه يحاول أن يحفظ آخر ما بقي من ملامحي ثم يقول:- روحي متعلقة بأثرك، فبقيت جسداً بدون روح كأني بيت فيه غرف خالية وجدران جوفاء.أتوسل إليه: بالله عليك يا أبي لاتكثر من الحديث عن الأرواح، فهذا يشعرني بالوحدة والخوف .
يقول وقد بدأ الإرهاق في صوته: – أنت الذي اخترت إن تكون وحيدا متفردا يا أحمد.
ثم يبدأ المطر في الهطول ،يشتد صوت الريح ليعلن عن مقدمه، ثم تدق قطراته فوق السقف والأبواب الخشبية كأنها عشرات الأرواح المرتجفة تطلب الدخول ، يغمض عينيه مرة أخرى وتختبىء ملامحه وتبدو عليه الراحة . كان قد صارع الدنيا كثيرا وتلقى سهامها ببدن لا يعرف الكلل ونفس لم تذق المتعة، أصيح باسمه في رهبة وخشية فلا يرد علي ، تزداد دقات المطر، وتدوي دقات أخرى على الباب لابد أنها أمي وقد عادت، أو أختي وقد أحست بوجودي، عادتا في الوقت المناسب بعد أن استنفدت كل طاقتي في محاولة إبقائه متيقظا.افتح الباب فلا أجد أيًا منهما، يقف أمامي ثلاثة من الرجال، وجوههم غير حليقة، وعلى رؤوسهم عمائم متسخة تتساقط منها قطرات الماء المتسخ، ويفوح منهم رائحة من العطر الخفي، أحدق في وجوههم ويحدقون في وجهي، كإن لا احد منا كان يتوقع وجود الآخر في هذا المكان، يصيح احدهم في وجهي: لا إله إلا الله… فأتراجع مذعورا، أنظر عاجزا إلى أبي الراقد على الفراش خائفا من أن يزعجه وجودهم، لكنهم لا يبالون، يدخل احدهم ويرفع المزلاج حتى يفتح الباب على مصراعيه، ويتقدم الثاني وهو يحمل طاولة خشبية بينما يحمل الثالث صندوق الموتى، يشعلون كل أضواء الصالة فيصبح المكان ساطعا ومثيرا للرعب، أتراجع حتى اجلس منهارا على احد المقاعد، ويبدؤون هم في التحرك في كل مكان بلا شفقة ولا مبالاة، يحضرون الماء والصابون والأواني والمناشف ومساحيق الأعشاب العطرية يعملون بدقة كأنهم قد تدربوا على تأدية هذا المشهد في هذا المكان عشرات المرات، لا يرونني ، ولا يطلبون مني شيئا ولا حتى التحرك من مكاني. يدخل احدهم الغرفة ويحمل ابي من الفراش فينخلع قلبي ، اكتشف إن جسده قد اعد نفسه لهذه اللحظة منذ زمن فنحف ونشف وجفت منه مادة الحياة ،اراه وهو يسجى فوق المنضدة الخشبية وهم ينزعون ثيابه فيبدو جسده شاحبا مائلا للزرقة ، فمه مفتوح وفاغر كأنه مندهش مثلي من حضورهم المباغت . يعدل أحد الرجال من وضع يديه ويغلق فمه ويتأكد من إسدال جفنيه ،ثم ترتفع أصواتهم فجأة بالأدعية وهم يرشون الماء على جسده:تطهر عبد الله فإن الجنة لا يدخلها غير المطهرين، وقل لهم يا عبد الله انك شربت شرابا طهورا وأكلت طعاما طهورا وعشت عيشا طهورا وكان الإسلام دينك ومحمد نبيك والله الحي الواحد القيوم ربك الذي لا إله الا هو.تنساب قطرات الماء من على جسده الشاحب فتأخذ شيئا من شحوبه، وصوت المطر مازال متواصلا ،ووجه أبي متجه إلى أعلى بحيث لا يراني. لقد تخلى عني أخيرا، لم يعد يبالي بإكمال حديثنا الذي مازال ناقصا، وهاهو مستسلم لتدفق الماء والصابون والأدعية المتواصلة كتواصل المطر.(واخبرهم يا عبد الله انك قد أقمت الليل عابدا وقضيت النهار ساعيا وعشت العمر قانتا واستقبلت الموت راضيا ،وسوف يكون مثواك الجنة مع العابدين والصديقين).يخرجون قماشاً أبيض ويبدأون في لف الجسد به ، تفوح رائحة الشيح والزعفران التي ينثرونها بين طيات القماش ، تتوقف الأدعية وتتحول كلماتهم إلى تعليمات موجزة “اطو هذه، خذ بالك من أطراف الأصابع ، أرخِ قليلا “. يبدأ في الاختفاء التدريجي عن ناظري وعن عالمي ، عن كل الأشياء التي ربطتنا معا ، يتحول إلى لفة بيضاء ضئيلة الحجم وغير واضحة المعالم ، ينتمي إلى عالم لست فيه ، يحملونه ويضعونه في الصندوق ثم يغطون كل شيء برداء أخضر. أنهض واقفا ، اقول لنفسي (لو أن المطر يتوقف قليلا لكانت رحلته سهلة)، يحملونه على أكتافهم، لا يدعونني للمشاركة في حمله ، ولكن أحدهم يلتفت إلي، يحدق في وجهي كأنه يراني للمرة الأولى ثم يهتف بي: وحّد الله يا ولد.
أحدق في المرآة التي أمامي، فيتراءى لي وإن جسمي قد تضاءل وملامحي قد صغرت، وقد ذهبت التجاعيد والبثور والشعيرات البيض فأهتف في حرقة من لا يقدر على استعادة ما ضاع :- لا إله الا الله .. لا إله الا الله .

















