
هل قرأ علي بدر رواية باموق؟
إتكاء على جودت بيك وأولاده
إتكاء عليها و تناص
نوزاد حسن
لا اظن اني كنت متمتعا جدا وانا اقرأ رواية جودت بيك واولاده لاورهان باموق.كنت في واقع الامر مجبرا على خوض قراءة هذه الرواية,وانا اعرف ما تعنيه كلمة مجبر عند المثقف العراقي الذي يعتقد انه من الحرية ان لا يقرأ الانسان كتابا يجد نفسه مجبرا على قراءته لسبب بسيط وهو ان الانسان كائن حر,ولا يمكن ان يفرض عليه احد قيدا واحدا يقلل من فضاء تلك الحرية حتى لو كان هذا القيد كتابا لروائي من طراز باموق.
اعترف ان هناك قراءات اسميها بالقراءات الوعرة انقرض زمنها في هذه الايام.فهل يعقل ان يبدأ انسان يعيش في بغداد بقراءة رواية تبلغ عدد صفحاتها 800 صفحة.اظن ان هذه مغامرة قد تحدث في القرون الوسطى او ايام فولتير.والاهم من ثقل الرواية ان قارئ باموق الذي خاض تجربة قراءة الكتاب الاسود او البيت الصامت او ثلج او اسطنبول المدينة والذكريات سيجد ان “جودت بيك واولاده”رواية طويلة اكبر مما يجب,وكان على باموق ان يختصرها كثيرا.وقد كان هذا الاحساس يراودني في كل لحظة كنت اغلق فيها الرواية للاستراحة.
ما جعلني اخوض تجربة قراءة تلك الرواية هو رغبتي الكبيرة في متابعة باموق والبحث عن شرارات خياله المضيئة.ما زالت رواية الكتاب الاسود تسحرني لانها عمل تخيلي ساحر الى اقصى الحدود,ومن الخطأ ان يتفق المثقفون في طرح راي يكادون يتفقون عليه جميعا مفاده ان رواية “اسمي احمر” هي الرواية الافضل لباموق.
ولكي اخرج من سجن هذا الراي قررت ان اقرا “جودت بيك واولاده”,واتحمل ثقل التجربة الصعبة.تذكرت رواية الحرب والسلام لتولستوي باجزائها الاربعة التي قرأتها لان تولستوي ذلك الهائم بفكرة المسيح يغري الكثيرين بان تجربته تستحق مغامرة ان يقضي الانسان اياما في تاملها.ومع اني شعرت ايضا بعذاب سيزيف الخفي اثناء التقدم ببطء لاكمال جزئها الاخير الا اني اكتشفت بعض التغير المهم الذي نقلني من اللحظة البسيطة الى رؤية مكثفة.اؤكد ان الحرب والسلام ازاحت ستارة اللحظة لتريني رؤية مكثفة وكأني اسمع خطى تولستوي الثقيلة تهرب من بيت عزه ومجده ليموت في محطة قطار.
ما عثرت عليه بعد قراءة الحرب والسلام كاملة هو هذا:تولستوي وهو حي يمشي بتعب نحو المحطة.بمعنى ان الماضي لا يموت بل يظل حيا في لقطة مكثفة تلغي سياج اللحظة الحاضرة التي تطوقني كقيد مزعج.
مع باموق لم يحصل شيء مميز في اعماقي.تساءلت وانا اتابع الشخصيات الابرز في الرواية ماذا اراد باموق ان يقول لنا.؟ببساطة شديدة كانت المشكلة نفسها معروضة في “جودت بيك واولاده”ثم طور باموق من تقنياته فيما بعد كي يظهرها باسلوب متجدد.
في جودت بيك توجد عناصر واقعية تتصارع على ارض الواقع وكان الروائي التركي يرصدها بطريقته الخاصة.الشعور القومي,والتاثر بالغرب,والحيرة الصوفية التي تتلاعب ببعض ابطاله.في هذه الابعاد والمواضيع يغوص ابطال باموق حتى اذقانهم.
لكن رواية جودت بيك التي كتبها باموق في سبيعينيات القرن الماضي كانت تحاكي دستوفسكي لان الابطال يفكرون كثيرا,ويريد كل واحد منهم ان يتطور كي يرضى عن نفسه.
الابطال الرئيسيون يعانون من ضغط واقع معين.عمر الذي كان يعتبر نفسه احد الفاتحين تحول الى ثري بائس ونسي ثورته الطامحة للتغير.وفيق التاجر انحاز الى صوفيته وعزلته تاركا عمله وطلق زوجته.اما الشخصية الثالثة وهي محي الدين الشاعر فكان مثالا للشخص الباحث عن صوته وحقيقته الضائعة.يصدر هذا الشاعر ديوانا شعريا لا يترك صدى في الشارع لكنه سرعان ما ينضم الى حركة القوميين الاتراك بحثا عن لون خاص به.الشخصيات الثلاث تبحث عن تغيير يمس اعماقها,ومن الصعب تلخيص رواية ضخمة لكن الضوء الكاشف الذي ينير لنا حقيقة عمل باموق هو قولنا ان باموق يخلق شخصيات تتغير وهي تعرف انها تتغير. اظن اني اكتشفت وانا اقرا الكتاب بصعوبة ان البشر قلما يشعرون بانهم يتغيرون.هم يرون خطوط الجبهة وشيب الشعر لكنهم لا يعلمون انهم يتغيرون من الداخل.ابطال باموق كانوا يعرفون انهم يتغيرون ويسيرون نحوحياة جديدة.لكن ليس هذا هو كل ما توصلت اليه وانا انهي رواية جدوت بيك واولاده.
لا بد من ان اعترف ان هذه الرواية ليست افضل روايات باموق بل هي اكثرها اطالة وتخفي في لغتها اجنة كل الروايات التي سيؤلفها باموق فيما بعد.
يتجلى فيها ذلك الوصف الحسي لما يراه الروائي والذي تنامى وتطور في الكتاب الاسود على وجه ادق.الواقع يثير في كاتب مثل باموق شيئا اكثر من الانفعال الحسي بالاشياء.باموق ينفعل لان الخيال يرسم في لغته عالما اخر يختلف عن العالم المرئي وان كان يجعلنا نشعر انه اكثر دقة والما.
لكن لادع الوصف والنقد لرواية جودت بيك واولاده,ولاطرح ما احسست به وانا انهي الصفخات الاخيرة من روايته.ولعلي فرحت قليلا لان قراءتي لم تكن بلا فائدة.فكما كانت الحرب والسلام نافذة لابعادي عن بساطة اللحظة التي اعيشها كذلك كانت رواية جودت بيك واولاده عاملا مهما في انارة احد الاعمال الروائية العراقية كنت وما زلت اعتبره الاهم حتى هذا الوقت.لكن ما حكاية هذه الضوء الذي انار رواية عراقية.؟باختصار الحكاية هذه.
كنت اظن ان شيئا ما سيحدث بعد انتهائي من قراءة رواية باموق.بمتعة تلاشت بعد عدة صفحات كنت اكمل الصفحة وراء الصفحة.وعند خط النهاية عرفت لماذا قررت ان اقرا هذه الرواية الضخمة.نعم عرفت اني خضت هذه التجربة الرومانسية الحالمة لاصل الى صياغة سؤال محدد اوجهه للروائي العراقي علي بدر.ولا يمكن ان يجيب اي روائي عن هذا السؤال.علي بدر هو من يستطيع الاجابة عن السؤال الذي ساطرحه الان.وكل ما كتبته في هذا المقال هو مقدمة لدراسة ساكتبها عن نقاط محددة تتعلق بمعنى الخيال ووظيفته الجمالية في كل من رواية باموق واحدى روايات علي بدر.ان ما اتمنى ان اسمعه من الروائي العراقي هو الاجابة الواضحة عن هذا السؤال:هل قرات رواية جودت بيك واولاده وبعض اعمال باموق كملهم فذ في زمن لا يتذوق بسهولة طعم الفرادة والتميز؟هل قرات باموق,وعلى الاخص روايته الضخمة جودت بيك واولاده..؟


















