
هل ستكون الدولة أماً للعراقيين – طارق الكناني
لعل من المناسب ان تكون صيغة السؤال متى ستكون الدولة العراقية أما للعراقيين ،وهذا سؤال صادم ذاته فمن المعلوم ان الدولة هي التي ترعى ابناءها وتحرص عليهم وتستثمر فيهم من كنوزها الكثير لأنهم هم الكنز الأكبر والأسمى ،لا أريد ان اجتر التاريخ واستعيد مافات ،فالوطن كان ومازال هو الأم لجميع العراقيين وهم بانتمائهم اليه كانوا درعا حصينا ضد كل من اراد به السوء وهذا مما لايزايد عليه احد ولايمكن ان ينكره احد فالوطن في الفكر الجمعي العراقي ام مطهرة لايسمح لأي كان بلمس ترابها والا فدونها الدماء والرقاب ،ولكن لماذا لاتفهم الدولة هذا المنطق وتعتني بهذه الثروة التي لولاها لم تكن هناك دولة اسمها العراق ؟
في المرحلة التي سبقت الإحتلال الأمريكي كان الحاكم يسعى جاهدا لتجسيد مفهوم القومية بكل اشكالها حتى لو كان على حساب العراقيين فالدولة العراقية انذاك كانت تقدم القرابين من العراقيين ليسعد ابناء العروبة ،وكل عربي يفد إلى العراق سيجد نفسه في مكان اسمى واعلى من أي عراقي مهما كان فالنظام يفضل العربي على العراقي حتى بالامتيازات فكانت قطع الاراضي في قلب العاصمة بغداد تمنح للعربي ولايسمح للعراقي بامتلاك قطعة ارض في العاصمة ناهيك عن كوبونات النفط التي كانت تمنح للابواق التي سخرها النظام للاقلام المأجورة لتبييض صورته امام الرأي العام العالمي ، مضى هذا الارث الثقيل بعد ان مرت بنا سنوات طويلة اخذت منّا الكثير ولم يتبق فينا غير الألم والحسرات على شباب تولّى في هموم لم يعد احد يصدقها حين نتحدث بها ولم يعد احد يذكرها بل صارت علينا مثلبة حتى يقال لنا لماذا قدمتم للعراق دماءكم ولماذا كافحتم حتى يبقى العراق عزيزا رغم ان الدولة اضطهدتكم فاتهمونا بالخيانة رغم اننا حرصنا على كل شبر من تراب الارض التي ولدنا عليها ؟
ذهبت تلك الدولة بكل مافيها من متناقضات حتى تشكلت دولة اخرى في ظل احتلال ذهب القوميون وجاء الاسلاميون وهم بذلك لايختلفون قيد انملة عمن سبقوهم فصورة الدولة بقيت واحدة قابعة على اركان الوطن بكل مفاصله ،لاتجيد كما سابقتها غير القتل والتشريد واللصوصية فالاولى جعلتنا نكره حتى عروبتنا والثانية جعلتنا نكره حتى اسلامنا ،انا لا اتكلم عن المناصب القيادية في البلد فهذه محجوزة لهم ولابنائهم ولمخابرات الدول التي رعتهم وكذلك لا اتكلم عن الامتيازات فهذه ايضا لهم ولابناء الدول التي رعتهم وجعلتهم يتسنمون السلطة في العراق ،لم يتبق لنا غير كرامتنا ،وهذه هي الاخرى تم امتهانها فحين يأتي المتقاعد العراقي ممن خدموا في الجيش ليرى راتبه قد صار عبارة عن دراهم معدودات في حين يأتي شاب لم يتجاوز فترة المراهقة ولم يحسن التكلم بالعربية ليستلم (250 مليون دينار كراتب) بوصفه سجيناً سياسياً ،رأيت الذهول وعلامات التعجب بكل انواعها على وجه هذا المحارب القديم وقسماته كيف تتقلص حين سمع بهذا الرقم وسبب منحهم راتب شهري بحدود ثلاثة ملايين لاشخاص لم يولدوا في العراق ولم يتعرضوا لما تعرض إليه ابناء العراق ولم يعرفوا ماهو العراق بل حتى اباؤهم قاتلوا العراق في مرحلة ماضية ضد هذا الوطن ،كيف اصبح هؤلاء سجناء سياسين ؟
وكيف صار هؤلاء متضررين؟ ،بأي حكم؟ وبأي عرف ان يمنح الغرباء رواتب تقاعدية تفوق رواتب ابناء البلد؟
،يؤلمني حين ارى ابناء الشهداء والنساء اللائي جئن بعد الاحتلال لاستلام رواتبهن التقاعدية التي كانت عوضا عن دماء الاباء والازواج اراهن يطردن وتقطع رواتبهن التي كانت لاتتجاوز بضعة الاف من الدنانير ،وها انا اليوم ارى ملايين الدنانير تمنح للغرباء كرواتب تقاعدية عن خدمات لم يقدموها ،ونحن الذين منحنا زهرة شبابنا لهذا الوطن لم نحصل على معشار العشر منها بالرغم من طول مدة خدمتنا وكثرة تضحياتنا لهذا الوطن .
ارى ان الدولة لم تختلف في تعاملها مع العراقي سابقا ولاحقا فهي تسعى لافقار هذا المواطن وامتهانه وجعله في الدرك الاسفل فهي لم ولن تسعى لتحسين صورته امام الـسفارات بل العكس فالجواز العراقي هو الاسوء في العالم ،وفي الجانب العلمي سعت الدولة جاهدة لاسقاط الشهادة العــراقية وسحب الاعتراف منها بعد ما كانت هي الاعلى شأنا بالمنطقة كلها.ويبقى العراقي هو مشروع دائم للذبح وبيد قادة الدولة متى شاءوا دون ان يحصل حتى على حق المواطنة.


















