من أطفأ أنوار السينما؟
هل تعيد أمانة بغداد لشارع الرشيد رونقه؟ – فنون – صباح الخالدي
السينما لم يكن لها وجود قبل الحرب العالمية الاولى في العراق وبالرغم من أن أول فيلم عرض في العراق كان في عام 1909 إلا أنه لم يكن هناك نشاط سينمائي واضح حيث ظلت الافلام الاجنبية الصامتة هي المتاحة الى ان قام بعض التجار بتشييد دور للسينما في بغداد والمدن العراقية الكبيرة,
واخذوا يستوردون بعض هذه الافلام بين وقت واخر وقد ارتفع عدد دور السينما تدريجيا في عام 1921-1922 وتضاعف عدد الافلام الصامتة الى ان بدأت تظهر الافلام الاجنبية الناطقة وبعد سنة 1927 اخذت تعرض الافلام المصرية ايضا، وظهور اول تعاون على المستوى العربي في مجال السينما حينما عرض الفيلم العراقي المصري المشترك (القاهرة-بغداد) ولم يكن هذا التعاون على مستوى الحكومات بل اعتمد على مجهود بعض الفنانيين الجاديين من كلا البلدين بين شركة افلام العراق وشركة اتحاد الفنانين وصورت مناظر الفيلم بين القاهرة وبغداد حيث شارك في التمثيل كل من عفيفة اسكندر وحقي الشبلي ومن مصر شاركت مديحة يسري واخرج الفيلم احمد بدرخان.وكانت صالات السينما والتي كانت كل واحدة تختص بعرض نوع معين من نتاجات السينما العربية والعالمية أنذاك هي الاخرى ولكن مع كل تلك الحقبة الزمنية الى عام 2016التي تعد مرحلة مظلمة لافول كل نشاط سينمائي بحيث أختفت وتحولت حتى قاعات العرض وفقا للايقاع التجاري الى مخازن لحفظ (السخانات وأجهزة التبريد ومعدات النجارة والحدادة والوتر بمب) بعد ان كانت سينمات (النصر والخيام والاندلس وروكسي ) وغيرها في الباب الشرقي ؟ وحتى المنتديات والنوادي الاجتماعية التي كانت أحيانا ينعقد فيها حلقات للثقافة والفنون هي الاخرى طالتها قرارت الاغلاق الفوري مؤخرا لاسباب غيرمعروفة ..وهكذا ربما يعيد اصحاب من اطلقوا عبارة (إن مصر تؤلف، ولبنان تطبع والعراق يقرأ ) الى والعراقيون يقتنون السبلت والبلازما وسيارات المنفيس بدلامن قصة الحضارة ومشاهدة قصص نجيب محفوظ واحسان عبد القدوس ويوسف ادريس التي تحولت الى افلام سينمائية .. لان بغداد ودعت الزمن الجميل وتلاشت صورتها المشرقة وخاصة بعد الغزو الاميركي عام 2003 وتحول شارع الرشيد الى شارع أشباح وخاصة قبيل المغرب بعد ان كان يضج بالحياة والحركة والاضواء فقد حلت روائح زيوت السيارات محل عطور الحسناوات وأصوات المولدات الكهربائية وضجيجها بدلاً من وقع اقدام الصبايا بودوي الهاونات والعبوات الناسفة واختف همسات الليالي الغافية على ضفاف نهر دجلة لتضيع ملامحه التي ارتبطت بذاكرة البغداديين فقد بدا على شارع الرشيد الارهاق والتآكل كأن الزمن توقف فغابت عنه أماكن اللهو والترفيه من دور السينما والمسرح والمقاهي التي كانت تعج بالزبائن من مختلف الاعمار والمشارب والأهواء ، يوم كان البغداديون يتحسسون كل صباح ، العبق الخالد لهذا الشارع ، ويتنفسون كل يوم رائحة بغداد المحفورة على جدران بناياته التراثية وبعد ان كان من أعرق شوارع بغداد يتحول من ملتقى للفنانين والادباء ورواد السينما الى سوق كبيرة للعدد الصناعية ومولدات الكهرباء ان ما تعرض له الشارع وما آلت اليه اموره يعدها البغداديون جريمة بحق التاريخ.. وكان في شارع الرشيد في الخمسينيات مجموعة من صالات السينمات مثل سينما رويال مجمع الرصافي حالياً وباتجاه البنك المركزي سينما الحمراء وسينما سنترال وفي حافظ القاضي سينما الرشيد ثم سينما الزوراء و سينما الوطني و سينما الرافدين الصيفية حيث يوجد نوعان من السينمات الصيفية و الشتوية , ومن السينمات الباقية حتى يومنا هذا سينما الزوراء تحولت إلى مسرح، وسينما روكسي وريكس، مسرح النجاح حالياً وايضا بسبب الاوضاع الاقتصادية التي طالت تلك الاعمال التي البسيطة الباهته التي منها لاتمت الى المسرح بصلة ووصف بعض النقاد تلك الاعمال على ( انها اساءة صريحة لقدسية خشبة المسرح العراقي الراقي بتاريخه العريق وعمالقته على المستويين المحالي والعربي .
طقوس حضور العروض
كانت الاسر العراقية لها طقوسها في حضور عروض دور السينما وكانت عادة في حفلة الساعة الثامنة مساء الى العاشرة او يزيد مساء حسب مدة الفيلم ومعظم تلك الاسر تهيئ معها (الكرزات )او حتى بعض الاطعمة الخفيفة وكانت الاختيارات للافلام الاجتماعية الرومانسية الخالية تقريبا من المشاهد المخدشة للحياء وحتى اصحاب دور العرض كانت احيانا تحذف من تلك الافلام مشاهدة ربما غير مناسبة لمشاهدته من الاسرة وكانت من الافلام التي تعد نسبة المشاهدة مرتفعة هي الافلام الهندية في مرحلة الستينيات والافلام العربية من بطولة فنانين معروفين عبد الحليم حافظ وشادية ومن ابرز تلك الافلام التي تظل لاكثر من اسبوع في دار عرض واحدة للاقبال عليهمع عبرة (ابوع خامسا وبنجاح ساحق ) منها فيلم (معبودة الجماهيروابي فوق الشجرة ) من بطولة عبد الحليم حافظ وفيلم ( نحن لانزرع الشوك ) لشادية ومحمود ياسين والافلام الغنائية الاستعراضية للفنان فريد الاطرش والراقصة سامية جمال . وكانت الاسرة عادة تحجز (مقصورة ) كما يحلو لهم تسمياتها (لوج) وخلال العرض هناك من ينادي بيبيع (حب جيكار علج )وكان للشباب واليافعين افلامهم من نوعية (البطولات والعصابات وطرزان والاكشن وهرقل )وقد كانت حفلات عرضها من العاشرة صباحا والواحدة ظهرا والرابعة عصرا وسعر البطاقة كانت 40 فلسا والجلوس قرب الشاشة و70 فلسا في بقية انحاء الصالة وبعد انتهاء المرحلة الاولى ( الاستراحة )ينطلق الجميع الى شراء المؤكولات من (لفة عنة ) او قطعة ( همبركر ) مع قنية بيبسي والعودة الى اكمال العرض ولان كانت هناك الاجواء النفسية مستقرة هناك نوعا من الراحة المجتمعية للناس بحيث يتفقون تقريبا كل ليلة جمعة لحضور عرض سينمائي ربما لانها كانت الوسيلة الضرورية لان تسهر الاسر في تلك الاجواء بعد اسسبوع من التعب ولان لم يكن غير تلفزيون (اسود وابيض ) مع برامج محددة في حينها كانت العوائل العراقية في بغداد وحتى عدد من المحافظات تجد في حضور العروض السينمائية مجالات ترفية بريئة وضرورية ..وحتى كانت في بعض مناطق بغداد صلات عرض صيفية في الهواء الطلق هي الاخرى تضفي رونقا وراحة نفسية لمرتاديه ..ولكن كل تلك المشاهد والذكريات الجميلة بعبق الماضي تلاشت وانطفأت انوار السينما واختفت كل تلك الدور تقريبا بعد ان تحولت الى مخازن للمواد الكهربائية والاصباغ والالبسة ويتحول شارع الرشيد الذي تستعد امانة بغداد الاحتفال باذكرى المئوية له الى ىشارع اشباح مظلم بعد الرابعة عصرا بعد ان كانت انواره تتلالا من المساء الى ساعات الصباح بدا من ساحة الميدان الى نهاية جسر الجمهورية والحال نفسه في باب الشرقي والذي كنا في مرحلة الشباب نذهب للاستماع والسهر اليه بعد الواحدة ليلا .. ترى هل ان امانة بغداد تستطيع في الاحتفال باذكرى المئة لشارع الرشيد ام تعيد ولو نسبة بسيطة مما كان عليه الشارع من زهو وان يرفع عن كاهله غبار نحو اثني عشر عاما من الاهمال والنفايات التي تغلق ارصفة الشارع خاصة قرب السوق العربي والبنك المركزي ليتمكن الشارع من ان يتنفس الهواء الطلق واعادة اوصاله بعد ان تقطعت بتلك الكتل الخرسانية التي تخنقه ..هي امنيات وكما يقال (التمني رأس مال المفلسين )!!


















