هل الريادة مرتبطة بالسبق الزمني أم بالتجديد الفني ؟

هل الريادة مرتبطة بالسبق الزمني  أم بالتجديد الفني ؟

مؤيد جواد الطلال

هل يمكن اعتبار أن تاريخ كتابة مجموعة قصص (( الوجه الآخر )) للقصاص والروائي العراقي (فؤاد التكرلي ) يمنح النُقاد والمؤرخين لتاريخ الأدب العراقي الحق في اعتباره من رواد القصة العراقية أم لأنه كان على رأس (( الجيل الثاني من رواد القصة العراقية, أي بعد جيل البشارة ومحمود أحمد السيد وذي النون أيوب وجعفر الخليلي: لأنه ارتاد واخترق الحجاب الحاجز في المجتمع والتقط الشعيرات الصغيرة التي تضرب في الشخصية العراقية )) كما يرى الأستاذ حميد المطبعي حين تساءل: ريادة التكرلي لماذا ؟ [ المصدر: جريدة الزمان / السنة العاشرة عدد 2918  السبت 16 شباط 2008 – طبعة العراق ].

          أعتقد أن السببين, بالمعنى التاريخي وبمعنى التجديد الفني, يتداخلان ويدفعان المؤرخ والناقد الأدبي معاً إلى اعتبار فؤاد التكرلي كان يطمح, بل ويخطط ويعمل بالاتفاق مع ( عبد الملك نوري ) (1) لنقل القصة العراقية من موقع إلى آخر, نقلها إلى الضفة الفنية رغم محاولة البقاء ضمن أطار الواقعية الاجتماعية النقدية أو الانطلاق من ذات الجذور الاجتماعية:

” …. ومن خلال الرسائل والنقاش أمكن أن نصل إلى قدر معين من التفاهم. كان عبد الملك مقتنعاً مثلي ومنذ البدء, بأن الواقع العراقي هو الينبوع الذي يجب أن يستقي منه كُتّاب القصة مادتهم . ثم اتفقنا بعد زمن بأن الجديد حقاً في الأدب القصصي لا يعدو أن يكون أقصوصة عراقية ناجحة فنياً./ التكرلي في مقدمته لمجموعة ذيول الخريف = المصدر: الأعمال القصصية لعبد الملك نوري – صفحة 204 –  الطبعة الأولى – بغداد 2001م “.

ورغم أن التكرلي ظل يصرح باستمرار بأنه ينطلق من الواقع, أو أنه كان يضع رجلاً هنا في الجذور الاجتماعية للواقع العراقي = البغدادي على وجه التحديد = ورجلاً أخرى هنالك في سماء الرغبة في التجديد وتقليد الأعمال الإبداعية الغربية التي ظهرت أوائل القرن العشرين, والتي خلقت ثورة عظيمة وجذرية في تاريخ السرد العالمي في التجارب الجريئة لجويس وبروست وفولكنر و(فرجينيا وولف) وغيرهم من المجددين .. رغم تصريحاته وشهادته التي وردت في كتاب الدكتورة ( نادية العزاوي ) – (2) والتي تعبر عن حيرته وتردده بين أسلوب الرواد ومحاولة خلق أسلوب جديد خاص به – فإن التكرلي خطا في نهاية الأمر خطوته العظيمة وفجر قنبلة رواية ( الرجع البعيد – طبعتها الأولى عام 1980 التي يمكن اعتبارها نقلة تاريخية وفنية, بقدر ما أصبحت مَعلماً من معالم القصة العراقية يمكن من خلالها دراسة القصة العراقية بدءاً من ظهور هذه الرواية, كما حدث لرواية فرمان  (3)  الرائدة النخلة والجيران التي أصبحت / صارت بمثابة عمود ثابت يمكن الانطلاق منه لتحديد ملامح رواية عراقية جديدة بكل المقاييس التاريخية والاجتماعية والفنية على حدٍ سواء !!

وبالتالي فإن التكرلي أدار ظهره لمحاربي الجيل القديم وخلق ما يشبه القطيعة بين أسلوبه وأساليب ذلك الجيل التقليدي, بل وأبتعد نسبياً عن المناخات القديمة التي اهتمت بها القصة التقليدية, متتبعاً آثار ومحاولات ( عبد الملك نوري ) لخلق تيار يهتم بالقضايا النفسية والفلسفية والنظر إلى الإنسان من الداخل كأساس أو بناء أولي لما أسميته قصة ورواية الأعماق التي ستجد من يتلقفها وينتهج نهجها في المستقبل ليس على صعيد القصة العراقية فقط , بل والعربية أيضاً. غير أن الأستاذ الناقد ( فاضل ثامر )  (4) يرى أن ربط مجموعة (( الوجه الآخر )) بالخلفية الفكرية والاجتماعية للقصة الخمسينية الملتزمة, ذات المنحى الواقعي الاجتماعي, التي تمثلها أفضل تمثيل تجارب عبد الملك نوري وغائب طعمه فرمان ومهدي عيسى الصقر ومحمود الظاهر وغيرهم – تسبب أو تؤدي إلى خلق سوء فهم عند دراسة عالم التكرلي القصصي, كما ورد في كلمته المعنونة [[ التكرلي وسوء الفهم النقدي / جريدة الزمان عدد 2918 – المصدر المذكور أعلاه ]]. ومن هذا المنطلق أو الاعتقاد فإن الناقد الفاضل يصل إلى استنتاج يقول باستحالة فهم (( عالم التكرلي )) على ضوء التجربة الخمسينية الواقعية, بل يجب أن ننظر إليه كممثل لتلك الحساسية الأدبية والفنية والفكرية التي تضم نتاجات أدبية واسعة تشمل تجارب الكتاب الطليعيين والعدميين والوجوديين في الأدب العالمي المعاصر. ويكون التكرلي بهذا أول قاص عراقي يطرح نموذجاً قصصياً إشكالياً في مقابل النموذج القصصي الملتزم     – كما يرى الأستاذ الناقد – وهو نموذج سيجد انتشاره الأوسع في القصة الستينية التجريبية وبشكل خاص في تجارب محمد خضير وجليل القيسي وموسى كريدي وأحمد خلف وجمعة اللامي وعبد الرحمن مجيد الربيعي وسركون بولص وعبد الستار ناصر. وهذا يفسر لنا سر إعجاب التكرلي بالنماذج الإنسانية التي تعاني شرخاً أخلاقياً كما يفسر سبب الحاجة إلى نبش الأعماق المظلمة للشخصية الإنسانية والتركيز على مشاهد القسوة والعنف واللاإنسانية كما فعل في أقاصيص ( القنديل المنطفئ ) و ( موعد مع النار ) و ( الطريق إلى المدينة ) و ( سيمباثي ) وغيرها؛ وهو في هذا يشبه العوالم التي خلقها بعض ممثلي ( الواقعية الموضوعية ) في الأدب الأمريكي أمثال أرنست همنغواي و( دوس باسوس ) وشتاينبك و كالدويل الذين كانوا يسجلون بموضوعية باردة مشاهد العنف والقسوة التي يحفل بها المجتمع الأمريكي ويسلطون الضوء على بعض الشخصيات (( من الكائنات البدائية التي تتمتع بشعور منعكس محدود جداً )) – المرجع: جريدة الزمان / المصدر المذكور أعلاه.

ومع احترامي الشديد لأستاذي ( فاضل ثامر ) وللآراء التي وردت في مقالته, وكان بعضها صحيحاً وقد أشرنا إلى ذلك البعض في معرض حديثنا عن قصص الطبعة الثانية من   (( الوجه الآخر – 1982  وقصة ) الوجه الآخر( بالتحديد, لكن الأستاذ الناقد ركز في كلمته التأبينية التي جاءت مباشرة بعد وفاة التكرلي – في الملف الذي أعدته جريدة الزمان بعد خمسة أيام واستكتبت / استطلعت آراء الأدباء العراقيين – على الوجه الآخر من التكرلي, أو بشكل أدق على جانب من جوانب إبداع التكرلي الذي كان ثراً ومنوعاً وذا وجوه عديدة .. وبالتالي ظهرت كلمته كما لو أنها مستلة من أدراج أوراق قديمة حاكمت التكرلي محاكمة قاسية, ومن زاوية نظر أحادية الجانب, وإن كنا لا نستطيع نكران وجود مثل هذا الجانب في كتابات التكرلي حتــــــــى في ( الرجع البعيد ) وما بعدها من كتابات !

من كل هذا نستنتج أن الريادة الحقيقية في أي نوع من أنواع الفنون والآداب لا يرتبط بالعمر الزمني, أو أولوية الانجاز, بقدر ما يرتبط بالقدرة على التحديث والتجديد في تلك الفنون والآداب.

الهوامش

  (1) عبد الملك نوري – من رواد القصة العراقية. صدرت مجموعته الأولى ( رُسل الإنسانية ) عام 1946 … وأصدر إتحاد الكتاب العرب في دمشق لنا كتاباً عنه بعنوان [ عبد الملك نوري: ريادة فنية وسايكولوجية في القصة العراقية / سلسلة الدراسات رقم 4 لعام 2012 ] .

 ( 2 ) د. نــادية غازي العزاوي: من تجليات الذاكرة –  دراسات في نصوص عراقية –  دار الشؤون الثقافية العامة – الطبعة الأولى / بغداد 2005م.

 (3) غائب طعمه فرمان أهم قصاص وروائي عراقي, وأولى رواياته التي أسست لبناء رواية عراقية جديدة هي << النخلة والجيران >>.

( 4 )  فاضل ثامر: ناقد ومترجم, يشغل حالياً منصب رئاسة إتحاد الكتاب والأدباء في العراق.