هلوسة ديمقراطية

هلوسة ديمقراطية

دخل المقهى وهو يقطر عرقاً باحثاً عن مكانٍ فارغ يجلس فيه ليقابل مبردة الهواء فلم يجد ، وكان الكرسي المقابل لي فارغاً وكنت أنتظر أحد أصدقائي فأقبل وجلس قبالتي وهو يلعن ويشتم حتى دون أن يسلم أو يستأذن في الجلوس ثم طلب قدحاً كبيراً من الماء البارد(دولكة) كما نسميها فكرعهاحتى آخر نقطة فيها ثم طلب شاياً.

 عندها مد يده إلى علبة سجائري فوضعها أمامه وأخرج منها سيجارةً فأشعلها وأخذ ينفث الدخان في وجهي بعصبية واضحةٍ فاستعذت بالله منه وقررت مجاراته حتى ينصرف، بعد قليل تصورت أنه قد هدأ فقلت له(مساك الله بالخير) فقال وهو يلف بيده في الهواء مستهزءاً (ياخير الله يخليك ،الظاهر انتو فقدتو الإحساس بما يدور حولكم لأنكم تعودتم منذ زمن بعيد على المسكنة والخضوع للأمر الواقع) ثم دنا بكرسيه قليلاً نحوي وهو يقول: تدري دكتاتور العراق سقط بجهود (بوش) و الأشقاء والاصدقاء الاعداء وليس بجهود أبناء البلد الذين أنهكهم الموت البطيء بفعل سلطان الخوف المشبعة به قلوبهم من ظلم الدكتاتور المقبور.

فهززت رأسي موافقاً مجارياً وأمري لله ثم أردف : أما الأبناء الذين غادروا حينها ليجاهدوا خارج السرب.. أقصد خرج الوطن فأنا والكثير الكثير من أبناء البلد المتعبين دوماً لا نعتقد بجهادهم فمنذ عودتهم الميمونة مع أسراب الجراد الأمريكي القبيح لعشر عجاف خلت لم نحصل منهم إلا على (سوف وأخواتها) وسوف يا أولاد القح (وذكر قصيدة قديمة للشاعر مظفر النواب قالها بحق الرؤساء العرب (آنذاك) لا تغني ولا تسمن من جوع فنحن أبناء العـــــــــراق العرب الذين ننــــتمي إلى (كلتا ضفتي نهر الإسلام) على خلاف أبناء العراق السوبر في جمــــــهورية كردستان الديمقراطية الذين احتضنتهم راعية الديمقراطية في العالم ، صاحبة الجلالة USAمنذ عام 1990 فخلصتهم من سوط الجلادين لغرضٍ ما في نفسها المريضة فتنفسوا الصعداء ، ولأن بعضاً منا نحن العراقيين العرب صحونا حينها قليلاً من سباتنا فلم يرض ذلك الطغاة فأداروا فينا عجلة الموت لتقتص منا ، واليوم وبعد مرور تلك العشر العجاف منذ استلام الذين غادروا ليجاهدوا فجلبوا لنا وجهاً آخر من وجوه الدكتاتورية القبيحة أسموها (ديمقراطية) لينعم بها مَن ارتاح من بطش جلادينا لثلاثة عشر عاما قبل اندحارهم .توقف صاحبي هذا مجنوناً كان أم عاقلاً فقد ساقه لي حظي العاثر، وطلب شاياً آخر ثم أخرج سيجارةً أخرى وبصوت منخفض قال :

اليوم نحن فكما قال الشاعر عندما وجه رسالة إلى المناضلة (حسنه ملص) ليشكو لها ما آلت إليه حالنا (لاكهربا لا ماي والكاك عد زلماي) ثم توقف وأخذ يتلفت يميناً وشمالاً وكأنه يحاذر أن يسمعوه.

فقلت له أكمل فابتسم وهو يقول (تريد تغلفني و) ، عندها نفخ نفساً عميقاً من سيجارته بوجهي وهو يقول :

إذن الرابح الأكبر هم اخواننا العراقيون السوبر في جمهورية الشمال السعيد وأبناؤنا العرب المجاهدين من فوق كراسي الحكم والجاه والسلطة ، والخاسر الوحيد هم نحن (شعب التيه) كشعب النبي موسى (ع) ولكن الله فرج لهم بعد أربعين عاماً أما نحن فقد تعدينا سنين موسى (والحبل على الجرار) ثم دنا مني أكثر فضايقتني رائحة عرقه ولكني صبرت وتذكرت المثل العراقي (جفيان شر مله عليوي) وهو يقول أليس ما قلته صحيحاً فهل من فائدة ترجى وتمثل قول الشاعر(لقد أسمعت لو ناديت حياً .. ولكن لاحياة لمن تنادي) ، ثم قال بعصبية جعلت بعض زبائن المقهى يلتفتون صوبنا : العراقي (يشحرج) أي(يصرخ حتى يبح صوته) منذ عام 1968 وحتى سقوط (النظام) فاستبشر ظاناً أنه سينعم بحياة جديدة ولكن وأخذ يهز كتفيه كأنه يرقص(جت الحزينة تفرح ملقتلهاش مطرح) ثم تابع ، ورجعنا الآن نشحرج والله وحده يعلم إلى متى ،عندها أرجع كرسيه إلى الوراء وكأنه أحس بأنني بدأت أتضايق منه كثيراً فقال :

إعذرني فأنا ككل العراقيين نهلوس أحياناً عندما لانجد كهرباء نبرد بها أجسادنا في هذا الصيف اللاهب الذي يجعل (أبو صابر يبول دم) أو ماءً لنغتسل أو حصةٍ تموينيةٍ تدفع عنا غائلة الجوع ، ولكن ورفع كلتا يديه الى الاعلى عزاؤنا الوحيد إن رجالنا المجاهدين من فوق كراسي الحكم والسلطة والجاه يتمتعون بالكهرباء والماء الصافي والموائد العامرة نيابةً عنا، سحب كرسيه صوبي مرةً أخرى وهو يهمس، (الياكله العنز يطلعه الدباغ) فليتقوا الله فينا وليستحوا منه قبل أن يستحوا منا ، سحب قدح الشاي فشرب بقاياه ثم قال:

أستغفر الله لي وليس لهم (إن لم تستح فافعل ما شئت) ثم إنتصب واقفاً وخطف علبة سجائري فوضعها في جيبه وهو يقول (إدفع جاياتي) وخرج مهرولاً فبقيت مبهوتاً هل هذا المخبول عاقلاً أم إنها صحوة مجانين.

حامد كامل