هكذا تزرع بذرة الأنسان

لؤي زهرة

تتوسطُ‭ ‬باحة‭ ‬بيتنا‭ ‬الشرقي‭ ‬شجرة‭ ‬رارنج‭ ‬عملاقة‭ ‬تأوي‭ ‬اليها‭ ‬العصافير‭ ‬عند‭ ‬الغروب‭ ‬وهي‭ ‬تزقزقُ‭ ‬وكأنها‭ ‬ترشد‭ ‬الآخرين‭ ‬الى‭ ‬مكان‭ ‬هذه‭ ‬الشجرة،‭ ‬وتعاود‭ ‬زقزقتها‭ ‬عند‭ ‬مطلع‭ ‬الفجر‭ ‬،‭ ‬كانت‭ ‬أمي‭ ‬تقول‭ : ‬انها‭ ‬تصلي‭ ‬صلاة‭ ‬الفجر‭ .‬

العصافير‭ ‬تنامُ‭ ‬مطمئنةٌ‭ ‬امنة‭ ‬على‭ ‬اغصان‭ ‬تلك‭ ‬الشجرة‭ ‬فلاشيء‭ ‬يعكر‭ ‬صفوها‭ ‬او‭ ‬يفسد‭ ‬عليها‭ ‬نومها‭ ‬الهانئ‭ ‬،‭ ‬في‭ ‬موسم‭ ‬الربيع‭ ‬تبني‭ ‬العصافير‭ ‬اعشاشها‭ ‬فوق‭ ‬اغصان‭ ‬تلك‭ ‬الشجرة‭ ‬او‭ ‬تتخذ‭ ‬من‭ ‬أعلى‭ ‬شبابيك‭ ‬بيتنا‭ ‬عشا‭ ‬لها‭ ‬واحيانا‭ ‬تخبئ‭ ‬البيض‭ ‬في‭ ‬ثنايا‭ ‬شق‭ ‬في‭ ‬سقف‭ ‬او‭ ‬الجدار‭ ‬احدثهُ‭ ‬تقادم‭ ‬الزمن‭ . ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬سقط‭ ‬عصفورفي‭ ‬اولى‭ ‬محاولاته‭ ‬للطيران‭ ‬وكأي‭ ‬طفل‭ ‬اسرعتُ‭ ‬وامسكت‭ ‬بهِ‭ ‬،‭ ‬وكانت‭ ‬فرحتي‭ ‬كبيرةٌ‭ ‬وانا‭ ‬القي‭ ‬القبض‭ ‬عليه‭ ‬،‭ ‬كانت‭ ‬أمي‭ ‬تنظر‭ ‬اليَّ‭ ‬فقالت‭ ‬بلهجة‭ ‬عراقية‭ : ‬تقبلْ‭ ‬واحد‭ ‬ياخذك‭ ‬من‭ ‬امك‭ ‬؟‭ ‬،‭ ‬فقلتُ‭ ‬لها‭ ‬بلهجة‭ ‬طفل‭ ‬عراقي‭ : ‬لع‭ ‬ما‭ ‬اقبلْ‭ ! ‬،‭ ‬فقالت‭ ‬هذا‭ ‬العصفور‭ ‬هم‭ ‬مثلك‭ ‬عنده‭ ‬ام‭ ‬يريد‭ ‬يروح‭ ‬الامه‭ ! ‬شوف‭ ‬هاي‭ ‬امه‭ ‬خطية‭ ‬قتلت‭ ‬نفسها‭ ‬عليه‭ ‬تريد‭ ‬ابنها‭ !‬،‭ ‬خطية‭ ‬امه‭ ‬تريد‭ ‬اتعلمه‭ ‬الطيران‭ ‬مثل‭ ‬ما‭ ‬علمتك‭ ‬على‭ ‬المشي‭ . ‬أطلقتُ‭ ‬سراح‭ ‬العصفور‭ ‬فسقط‭ ‬غير‭ ‬بعيد‭ ‬وعلى‭ ‬مقربة‭ ‬منه‭ ‬حلقت‭ ‬امه‭ ‬تحفزهُ‭ ‬على‭ ‬الطيران‭ ‬،‭ ‬كنت‭ ‬أرقبُ‭ ‬ذلك‭ ‬العصفور‭ ‬وارى‭ ‬امه‭ ‬تقترب‭ ‬منه‭ ‬فتضع‭ ‬في‭ ‬فمهِ‭ ‬قبلة‭ ‬وكأنها‭ ‬جرعة‭ ‬منشطة‭ ‬يقوى‭ ‬بها‭  ‬على‭ ‬الطيران‭ . ‬حلقت‭ ‬العصفورة‭ ‬الأم‭ ‬الى‭ ‬ذلك‭ ‬الغصن‭ ‬المتدلي‭ ‬فاستجمع‭ ‬قواه‭ ‬وحلَّقَ‭ ‬الى‭ ‬جنب‭ ‬امه‭ ‬،‭ ‬وضعت‭ ‬في‭ ‬فمه‭ ‬قبلة‭ ‬اخرى‭ ‬وطارت‭ ‬الى‭ ‬غصن‭ ‬اعلى‭ ‬،‭ ‬وتبعها‭ ‬العصفور‭ ‬الصغير‭ ‬ثم‭ ‬طارت‭ ‬الى‭ ‬اعلى‭ ‬فاعلى‭ ‬وصغيرها‭ ‬يتبعها‭ ‬حتى‭ ‬عاد‭ ‬الى‭ ‬عشهِ‭ . ‬

منذ‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬عرفتُ‭ ‬بأن‭ ‬للعصافير‭ ‬امهات‭ ‬مثلنا‭ ‬ينتظرون‭ ‬عودة‭ ‬ابنائهم‭ ‬بفارغ‭ ‬الصبر‭ ‬،‭ ‬وهكذا‭ ‬تعودتُ‭ ‬ان‭ ‬اُعيد‭ ‬صغار‭ ‬العصافير‭ ‬الى‭ ‬اعشاشها‭ ‬او‭ ‬الى‭ ‬ذلك‭ ‬الغصن‭ ‬المتدلي‭ ‬ليعاد‭ ‬رحلة‭ ‬الطيران‭ ‬،‭ ‬لم‭ ‬تكُ‭ ‬العصافير‭ ‬وحدها‭ ‬من‭ ‬تامن‭ ‬في‭ ‬بيتنا‭ ‬فعلى‭ ‬شناشيل‭ ‬شبابيك‭ ‬بيتنا‭ ‬عشش‭ ‬الحمام‭ ‬وفي‭ ‬الجانب‭ ‬الاخر‭ ‬من‭ ‬شباك‭ ‬غرفتي‭ ‬كانت‭ ‬الفخاتي‭ ‬تنام‭ ‬مع‭ ‬صغارها‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬موسم‭ ‬يعاود‭ ‬السنونو‭ ‬او‭ ‬طائر‭ ‬السند‭ ‬وهند‭ ‬ليبتني‭ ‬عشا‭ ‬له‭ ‬فوق‭ ‬مروحة‭ ‬بيتنا‭ ‬فيحرمنا‭ ‬من‭ ‬تشغيلها‭ ‬فنتجرع‭ ‬حر‭ ‬الصيف‭ ‬لئلا‭ ‬يسقط‭ ‬عشه‭ ‬،‭ ‬كنت‭ ‬احمل‭ ‬ما‭ ‬زاد‭ ‬من‭ ‬الصعام‭ ‬فأنثره‭ ‬للطيور‭ ‬وكانت‭ ‬تقترب‭ ‬مني‭ ‬لنها‭ ‬ادركت‭ ‬ان‭ ‬في‭ ‬داخلي‭ ‬بذرة‭ ‬انسان‭ . ‬