نموذج تربوي وطباشير المشهداني – مقالات – طالب سعدون
إطلعت مساء الجمعة الماضية على مقال للسيد ظاهر الشمري تضمن مبادرة رائعة ، تثلج القلب لمعلمة ابتدائية ، لا تتجاوز خدمتها ست سنوات ، عندما قامت بتجديد الصف ، كونها مرشدته ، على حسابها الخاص ، وذلك بعمل سقف ثانوي له ، وتغليفه بالسيراميك ومستلزماته الاخرى من انارة وتبريد ( مروحة ومبردة ) ووسائل ايضاح وغيرها .
ولم تكن تلك المعلمة الفاضلة عضوا في البرلمان أو في الرئاسات ، أو من اصحاب الدرجات الخاصة ، بل تستلم راتبا على قدر خدمتها ، وهو اكثر من خمسمئة الف دينار بقليل..
أليس هذا العمل من صميم واجبات وزارة التربية ، وهي المعنية بتوفير المستلزمات التربوية والمادية والاجواء المناسبة للطالب ، لكي تشجعه على الدراسة ، في بلد كانت موازنته تفوق الخيال ، ويسيل لها لعاب الفاسدين ، قبل أن ( تتقشف ، ويصيبها العجز ) ؟ ..
وأصبحت المعلمة نجوى جواد زيدان ، ، في منطقة البو عبد الله ، في ناحية المدحتية ، بهذا العمل الوطني نموذجا إقتدى به زملاء لها أخرون في مدارس مدينتها … فلماذا لا يقتفي أثرها اصحاب الملايين من الدولارات ؟ ..
ولم تكتف تلك المربية الفاضلة بذلك العمل النبيل فقط ، بل تعدته الى ما يثبت جدارتها بحمل ( لقب ) المعلمة المثالية ، وهو ما إفتقدناه عند البعض ، فقد خلقت حالة من التنافس الجميل بين تلاميذها ، بطريقة تساعد الطالب على إستيعاب الدرس من خلال توزيع الحلوى على ( الشطار ) ، الذين يقومون بالاجابة الصحيحة على السبورة وسط تصفيق زملائهم ..
وأنا اطالع ذلك النموذج المشرف ، المتفاني في خدمة الوطن ، رأيت في الليلة نفسها على الشاشة ، نماذج سيئة ، أفسدت عليَّ تلك الفرحة ، بذلك النموذج الأصيل ، والمبدع في العطاء والتضحية ، ولعله يداري إحباطنا من تلك النماذج التي تناولتها الأحاديث في تلك الشاشة بالعار والشنار ، ونهب المال العام بالفساد ، والاستحواذ على عقارات الدولة والأخرين ، بغير وجه حق ، وبطريقة توحي وكأنه لم تعد هناك حرمة لكل شيء .. وكانوا نموذجا سيئا في الفساد ، سقط في مستنقعه من هم على شاكلتهم …
وشتان بين النموذجين .. نموذج العطاء ، ومعول الهدم .
وتستحق تلك المبادرة الخيرة وأخرى غيرها ، من المعنيين ، أن تحظى بما يناسبها من التقدير والتكريم ، ومن بين ما يوفها حقها المعنوي أن يطلق أسم تلك الفاضلة على مدرستها .
وربما لم تفت قناة العراق التربوية الفضائية ، ومديرها الزميل المبدع جبار المشهداني ، أن تعطي لتلك المعلمة الكريمة الفرصة ، وحقها واستحقاقها في تسليط الضوء عليها وتضييفها ، وبالذات في برنامجه الرائع ( طباشير ) الذي يحظى بنسبة مشاهدة كبيرة ،، أهلته أن يخرج من الاطار القطاعي الضيق الى الفضاء الوطني الأرحب ، وفي طريقة عرضه للمواضيع بمهنية صحفية تدافع عن الحق ، وإن كان على الوزارة ، دون أن يغفل ما هو مفيد عرضه من واجباتها ، لتكون قدوة مشرفة ومثالا يحتذي به الاخرون..
وقد اعادتني تلك المعلمة الفاضلة الى سنوات الطفولة ، عندما كنا تلاميذ في مدرسة ناحية كميت الابتدائية في محافظة ميسان في الخمسينات من القرن الماضي ، وكان لكل معلم فيها دالته التربوية والانسانية علينا ، وأثره الكبير في المدرسة ، ولهم من الفضل ما لا يمحى من الذاكرة ، إبتداء من مديرها الاستاذ علي عبد الكريم الجوادي ، وإدارته الناجحة ، فقد جعل من المدرسة روضة غناء ، من الرياض الجميلة ، في نتائجها الامتحانية الباهرة ، ونظافتها ، ودورها التربوي والاجتماعي ، والاشعاعي في المدينة ..
ولا أنسى الاستاذ المرحوم ابوزينب عبد العال محمد الهلبون الذي كان أبا روحيا للتلاميذ ، يتفقد أحوالهم ، ويشد أزرهم ، وكان سندا وعونا لمن هو بحاجة الى رعايته المادية والتوجيهية …..
ولا أنسى الاستاذ كاظم شاه ولي الذي كان له الفضل في غرس الايمان في قلوبنا ، وعلمنا الصلاة منذ نعومة اظفارنا ، وقبل ان نبلغ سن التكليف ، و يؤمنا في الصلاة ، وجعلناه نموذجنا الحي في كل ما نتعلمه من مبادى الدين الحنيف ..
وكيف انسى الاستاذ سعدون توفيق الاعظمي ومسابقاته وجوائزه للصف في كل اسبوع ، لمن يجتاز الامتحان ، ويتقدم الصف في النتيجة ..
حالات تربوية رائعة ، ما احوجنا اليها.. رائدها البناء ، وهدفها صناعة الانسان ، وخدمة الوطن ، رغم الامكانات المــــــادية البسيطة ، الـــــتي لا تــــقاس ابدا بما نحن عليه اليوم ..


















