موائد دمشق تعيد دفء العائلة وتبهج الأزقة

دمشق-سانا: مع اقتراب موعد الإفطار في دمشق، يتبدّل إيقاع الحياة في المدينة تدريجياً، حيث تزدحم الأسواق قبيل الغروب بالحركة والنشاط، ويتعالى نداء الباعة لعرض مشروبات رمضان التقليدية، وتعبق الأزقة برائحة المعروك الطازج المنبعثة من الأفران، وتجتمع العائلات حول موائد الإفطار في مشهدٍ يفيض دفئاً وألفةً، ويجسّد روح الشهر الفضيل وقيمه الاجتماعية.
في سوريا، لا يقتصر شهر رمضان المبارك على الصيام فحسب، بل يشكّل حالةً روحية واجتماعية تعيد ترتيب تفاصيل الحياة اليومية، فالمائدة الرمضانية لا تقتصر على كونها وجبة إفطار، بل تتحول إلى مناسبة تجمع أفراد العائلة وتعيد دفء اللقاء وتبادل الأحاديث بعد يومٍ طويل من الصيام، بينما تبقى المساجد عامرة بالمصلين الذين يؤمونها لأداء صلاتي التراويح وقيام الليل.
تبدأ الطقوس الرمضانية لدى كثير من العائلات بالتحضير المبكر لمائدة الإفطار، حيث أوضحت أم فراس لـ سانا، وهي ربة منزل، أن اجتماع أفراد الأسرة والمشاركة في إعداد الطعام داخل المطبخ يشكلان تقليداً يومياً يعكس روح التعاون والمحبة بين أفراد العائلة، وبعد الإفطار بقليل، تتجه بعض العائلات إلى المساجد لأداء صلاة التراويح، بينما يفضل آخرون قضاء أوقاتهم بزيارة الأقارب أو التنزه في الأسواق الرمضانية التي تبقى نابضة بالحياة حتى ساعات متأخرة من الليل.
بدوره أكد أبو عماد أن هذه العادات تمنح شهر رمضان طابعه المميز، إذ يشكل مناسبة لتعزيز الروابط الاجتماعية وتجديد اللقاءات بين الأقارب والأصدقاء. للمائدة الرمضانية في سوريا نكهاتها الخاصة التي ارتبطت بذاكرة الناس عبر السنوات، حيث أشار محمد ديب الصفراوي إلى أن المعروك يعد من أبرز رموز الشهر الفضيل، إلى جانب المشروبات الرمضانية التقليدية، التي يقبل عليها الصائمون بعد الإفطار مثل التمر الهندي والعرقسوس. وأضاف الصفراوي: إن هذه الأطعمة والمشروبات أصبحت جزءاً أصيلاً من الطقوس الرمضانية، إذ لا يكاد يخلو بيت سوري منها، لما تحمله من نكهات ترتبط بذكريات هذا الشهر المبارك. مع دخول العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك، تزداد الأجواء الروحانية في المساجد، حيث يحرص كثير من المصلين على إحياء الليالي الوترية بالصلاة والدعاء وقراءة القرآن الكريم.
وأشار سمير كور إلى أن لهذه الليالي مكانة خاصة في نفوس المؤمنين، إذ يشعر فيها الإنسان بقرب أكبر من الله، ويكثر من الدعاء لنفسه ولأهله وللناس جميعاً، لما تحمله من بركة وما يُرجى فيها من استجابة. يحمل شهر رمضان المبارك معاني مضاعفة لدى بعض السوريين الذين عادوا إلى وطنهم بعد سنوات من الغربة، ويقول أبو سامر الغراوي، الذي عاد إلى دمشق بعد نحو عشر سنوات خارج البلاد: “إن أكثر ما كان يشتاق إليه في رمضان هو اجتماع العائلة حول مائدة الإفطار وأداء صلاة التراويح في الحي”. وأكد أن لرمضان في دمشق طعماً مختلفاً، وأن أكثر ما افتقده خلال سنوات الغربة هو لمة العائلة والدعاء مع الناس في المساجد، ولا سيما في العشر الأواخر ولياليها الوترية. بدوره قال محمود الدبس، الذي عاد إلى سوريا بعد سبع سنوات من السفر: “إن عيش رمضان بين الأهل بعد غياب طويل شعور يصعب وصفه، فمجرد رؤية وجوه الناس وهي تستقبل الشهر بفرح يمنح الإنسان راحة كبيرة”.
أما لدى الأطفال واليافعين، فيبقى شهر رمضان مناسبة ينتظرونها كل عام لما تحمله من أجواء مميزة، وعن ذلك تقول الطالبة ليان سميط: “إن لرمضان نكهة خاصة، حيث تجتمع العائلات مرتين يومياً عند الإفطار وبعد صلاة التراويح لتناول الطعام والحلويات”، مشيرةً إلى أن هذه اللحظات تعد من أجمل الأوقات بالنسبة لها.
شام خضرة رمضان في عيون السوريين.. أجواء عائلية وروحانية متجددة
بدورها لفتت الطالبة شام خضرة إلى أن شهر رمضان ساعدها على تنظيم وقتها بين الدراسة والعبادة، موضحةً أنها بدأت خلال الشهر قراءة القرآن الكريم بشكل منتظم والالتزام بالسنن، إلى جانب مساعدة عائلتها في التحضير لمائدة الإفطار.
وبين صوت الأذان الذي يجمع الناس حول مائدة إفطار واحدة، وخطوات المصلين المتجهين إلى المساجد، تتجلى صورة رمضان في سوريا مزيجاً من العبادة والدفء العائلي، حيث تتجدد معاني المحبة والتقارب في كل بيت مع كل يوم من أيام هذا الشهر الفضيل.


















