معارك الفكر .. تحقيق الإنتصارات
نقطة نظام مع المؤسسة العسكرية – مهند صلاح
إعتمدت التنظيمات الإرهابية منذ بدايات نشوئها في الشرق الأوسط على وجه التحديد , وبالخصوص في البلدان الحاضنة للأفكار المتطرفة أوالدول المتأثرة بها . سياسات إعلامية وفكرية ممنهجة أدت إلى تحقيق غاياتها بالسيطرة على الكثير من العقول التي وجدتها مهيئة مسبقا لتقبل أفكار محددة وإستطاعت أيضا أن تبني لها قواعد جماهيرية لا يستهان بها , وتصدير هذه الأفكار والعقائد الظلامية والفوضوية المدافة بلغة الدم والكراهية الى أبعد الأماكن التي لم يتصور العالم أن يكون هنالك حواظن للإرهاب فيها . بينما في الجانب الآخر كانت المؤسسة العسكرية والشارع الثقافي لا يزالان يعيشان صراعهما الأزلي الذي بنته وتبنته لهما السياسات الحاكمة وبتعاقبها على سدة الحكم . حيث وضعت هذه الحكومات معيارين مختلفين لا يمثلان الواجهة الحقيقية والمشرقة للمثقف العراقي . أحدهما هوتمكنها من إنشاء واجهة كبيرة من أشباه المثقفين واللاهثين خلف لعق ما تبقى من موائد السلطة ونفوذها , وهم ينتمون لآيديولوجيات السياسة الحاكمة وتابعين لها بكافة توجهاتها . بل وجعلت منهم الممثل الرسمي لها والكيان الإعلامي الذي تعتمد عليه بتسويق سياساتها لتوجيه المجتمع نحورغباتها وإقناعه بأن هذه الحكومة هي الممثل الوحيد عنه , ويجب بالتالي أن يكون منقادا لكل أفكارها التي تبثها عن طريق العديد من التجارب الهشة التي زرعتها هنا وهناك , وصنعت بالتالي نسخا عنها كي تكمل مسيرتها .. أما المعيار الثاني فهويمثل تلك الواجهة المشرقة للمثقفين (الحقيقيين ) الذين تبنوا على عاتقهم أن يكونوا المثال الحي للفكر العريق الذي يمتد بتاريخه لمئات السنين . إلا إن هذه الواجهة كانت ولا تزال بالضد تماما من فكرة أن تكون تابعة لسلطة ( المفكر الآيديولوجي ) أوالقبول بوصايته عليها مهما كلف الأمر , وأخذت على عاتقها محاربة الأفكار الفاسدة والمزيفة التي ينتهجها ( المفكر السلطوي ) كي يستولي من خلالها على عقول ( عامة الناس ) . مما أدى بالحكومات القمعية وبتعاقبها الى ممارسة عمليات من التصفية بحق هذه الطبقة التي وصلت الى مرحلة الإنقراض في زمن ما . لشدة ما كانت تتعرض له من ( تهجير وقتل وترحيل وإعتقالات ) . وبين هذا وذاك نشأت ( المؤسسة العسكرية ) هزيلة ومنقادة تماما نحوما تزرعه السلطة في مناهجها التي يجب أن لا تخالفها أوتحيد عنها كي لا تتهم بالخيانة أوالتهاون في إداء الواجبات المناطة بها . لذا كانت أية عقلية تحمل ثقافة أو فكراً معينين داخل المؤسسة العسكرية , وتمد جسورا مع الشارع الثقافي .
رمي بالرصاص
تجابهها السلطة إلى الحد الذي يصل في الغالب لتهمة (الخيانة) أو( العمالة ) , وتنتهي هكذا عقول الى المشانق أوالإعدام رميا بالرصاص . والتهمة الحقيقية هي قراءة كتاب ما أوالتثقيف لأفكار تتعارض مع ما تراه السلطة الحاكمة , وكل هذا بدوره أدى إلى خواء كبير في عقليات الكثير من القادة داخل المؤسسة العسكرية بكافة تشكيلاتها , وإنزوائهم المعلن أوالمخفي خلف كراديس من الأفكار التي تحارب أي توجه ثقافي داخل وحداتهم , بدل الإفتخار والإعتزاز بالإبداع الناتج عن هكذا أفكار . وهذا لا يعني خلوالمؤسسة العسكرية من عقليات رصينة ومشعة بدأت أخيرا تفهم بأن الأمن والسلام لن يتحقق إلا عن طريق وضع يدها بيد المثقف كي يصلوا بالبلاد الى مرحلة من الأمان , والعبور بها نحوأرض تخلومن ثمار الإرهاب والظلام .. نقطة النظام التي أضعها اليوم أمام أنظار كبار القادة في المؤسسة العسكرية هي إشارة مهمة ومفصلية يجب فهمها كي نحقق نصرا كاملا في معارك الوطن الشرسة التي يقودها أبطال من نوعين . الأول أخذ على عاتقه حمل السلاح ومواجهة العدوبالرصاص . والثاني يقود معارك موازية لا نهاية لها مع الإرهاب عبر أفكاره الساندة للقوات الأمنية بكافة صنوفها .. على قادة المؤسسة العسكرية أن يخرجوا من دائرة الفراغ التي يعيشون بها عبر أنانيتهم وتصغير شأن الفكر والقلم مقابل الدم والبندقية . عليهم أن يفهموا بأن الجزء الأكبر من الإنتصارات التي تتحقق يقود معاركها جيش من العقول والأقلام التي تمهد الطريق أمام القوات العسكرية كي تنجز المهام التي أوكلت لها . فبالثقافة الوطنية والإعلام الشريف , إهتزت كيانات التنظيمات الإرهابية , وأصبحت غير قادرة على السيطرة أوالتوازن داخل الأماكن التي تسيطر عليها أوتستحوذ على عقول أبنائها الذين تقودهم كما الماشية نحوغاياتها كي تملأ العالم بالجهل والظلام .. أستغرب حقا عندما أجد إن أقصى إهتمامات القادة والمؤسسة التي يعملون تحت لوائها يصبون جام إهتماماتهم على الجانب الرياضي , ويهملون الى حد كبير أي فعل ثقافي داخل دوائرهم . بل إن ظهور أي ثقافة لأي منتسب يجابهونها بالقمع والعقاب بدل أن يستثمروها في تحقيق أجزاء مهمة داخل التركيبة الفكرية للمجتمع الذي جاءوا من أجل خدمته .. اليوم يجب أن تنتهز المؤسسة العسكرية الفرصة السانحة أمامها لتقريب هؤلاء المثقفين من داخل دوائرهم أوخارجها وإستغلالهم عبر إستحداث برامج توعوية عبر ما يتوفر من نوافذ إعلامية مقروءة ومسموعة ومرئية . كي تنطوي صفحة القطيعة بين العسكري والمثقف الى الأبد …















