ما يميز الأدباء والكتاب الناجحين أن أدبهم وكتاباتهم لم تكن مجرد ردود فعل عاطفية أو هزات انفعالية إزاء واقع الحياة وتجارب الأفراد ، بل هو في أغلبه عطاء متماسك ومتكامل يرمي إلى التعبير عن فلسفة الأديب في الحياة وآرائه الشاملة في الكون والمجتمع..
إن الكاتب والأديب والشاعر الحقيقي هو الذي يقدم شيئاً صميمياً لقارئه، وهو الذي يشعر بمسؤوليته أمام الأجيال التي تتخبط في المتاهات وهي تبحث لاهثة وراء الكلمة الحق ، وساعية وراء الكلمة المضيئة التي تخترق طريقاً تنتحب على جانبيه آلاف المصابيح المهشمة..!! وسواء أكانت وسيلة التعبير هي القصة أم المسرحية أم الشعر أم المقالة يظل الغذاء الفكري هو الجوهر والزبدة، ولذلك نجد الكثير من الأدباء الناجحين تتوزع نجاحاتهم بين المقالة والقصة والمسرحية والشعر من دون أن تتبعثر روحهم وتتمزق شخصياتهم في محاولة التكيف مع فنية هذه الأشكال الأدبية ، لأنهم أصلاً مفكرون ملهمون مرهفون يفتشون عن الصيغة المعبرة والأسلوب الأمين الذي يمكن أن يشّف عن أعماق أفكارهم وذواتهم وينقلها إلى القارئ بقدر ما تسمح به لهم هذه الوسيلة القاصرة (اللغة ومفرداتها الجميلة) ..
لقد قالوا قديماً بأن : ( الأدب يحيي الفلسفة ) ….لأنه ينقلها من المجردات والمحاكمات العقلية والاستنتاجات المنطقية إلى وجود آخر تلتحم فيه الفكرة والشعور والمعاناة الحياتية في مجموع واحد شامل نابض بالحس والحياة ، وإذا كان الشعراء والكتاب والروائيون حتى اليوم لم يظفروا بحل مشكلة الوجود،ولاحتى مشكلة هذا الإنسان الصغير حجماً الذي يتسع صدره للفضاء الكبير فلا يعني ذلك أن الحل هو وحده الهدف.. لقد تعاقبت الأديان والفلسفات والملحمات وما زال الناس يقولون في الأدب أشياء قد ترضي البعض وقد تغضب البعض الآخر .. ولكن مهما قيل في ذلك فلا يستطيع أحد أن ينكر أن الأدب الحق يقّرب الناس من هذا الحل لا على الطريقة العقلية التي لا تحتمل إلا الانقسام بين الخطأ والصحيح وبين الايجاب والسلب ، بل على ذلك النحو الجانح الذي يسمو بملكات الإنسان عن لهاث الحياة اليومية ليقل روحه إلى رياض بعيدة ترفرف حولها الروح وتنتشي بعبيرها الأصيل فتتخلص من الزيف الذي ينفعها في كفاحها اليومي، وقد يتراى لها اللبس مشعاً صارخاً وقد يبدو لها ومضة خاطفة وقد لا يعدو طيفاً عابراً ، ولكنها على أي حال تكون قد تزودت بذلك الفيض الذي ينعكس على الحياة اليومية والنفسية طمأنينة مريحة أو قلقاً مجدياً معطاء بمقياس المادة والروح.. هكذا تعودنا أن نرى في نظرات الأدباء والشعراء والروائيين إلى الحياة والمصير شمولاً وصدقاً إنسانياً وإحساساً بالمأساة لا تحده حدوداً …!
عبدالهادي البابي
كربلاء