نصّان

نصّان

علي لفته سعيد

-1-

أنتِ حينَ حوّركِ الطّين

أنتِ امْرأةٌ من بلّور

من توْقيعِ إله

من مخابئ القلْبِ

التي أخْفت المطرَ في جوْفِ آدم

أنتِ اللّوْحةُ المؤنّثةُ من فرْشاة الخلْق

طاردةُ الوحْشةَ من لبِّ الّطرقِ الموغلةِ بالدّمْعِ

سارقةُ النّبْضِ على محاملِ الرّوحِ

لتنْبتَ من زرْعها السّنابل

ومنْ كُحْل عينيْها عظام الفراشات

أنتِ صباحٌ..يُمْسكُ الفجْرَ لتنامين حلمًا

ومساءٌ يُراقصُ النّجْمِ والقمرَ والهمْسَ والكرْكراتِ اللّذيذة والبوْح السّعيد

أنتِ حينَ أراد الله الشّاعر أن يكْتبَ لوْحهُ

جمع كلّ حروفِ الكوْنِ من عرضِ السّماواتِ والأرْضِ

نفخَ من روحِ فراديسهِ..فكان كتابُ الورْدِ

وكنْتِ قصيدته الأجْمل

أنتِ قلْبٌ مسْكينٌ يغنّي خافقًا

تمرُّ عليْهِ نبضاتِ حروفكِ

فتسْقطُ قطْرةٌ من رضاب السّماء

فكانت الشطْآنُ ثمْلى

توزّعُ الخمْرةَ على المدنِ والطّرقِ المضيئة

أنتِ بعض الكذبِ منْكِ شعْرٌ

نصدّقُ كل الحكايا في اللّيالي

فتلوذُ أرْصفةُ الحياة بظلّ مساءاتكِ

أنتِ حواء..إينانا..عشْتار..كيليوباترا..مرْيمَ

أنتِ خالدة الروحِ في المعْنى

خديجة الحليب..وأمّ البكاء

أنتِ وأنتِ تلمّينَ البارودَ عن ظهْرِ الوطن

تمْسحينَ طعناته لتورقَ أوجهُ الأطْفالِ أناشيد

أنتِ حين أدير وجهي إلى الموْتِ

تحملينَ سورةَ ياسين وغصنًا من ياس

لترتّلي العشْقَ آيات

أنتِ أوّل البدْءِ حوّركِ الطّينُ

فكان الجّمال

*************

-2-

كَيْ

على شيْءٍ لم أرْتكبْه بعْدُ

تعاتبني

ولمْ ينْزل شرابهُ في جوْفِ الحلمِ

أو بيْنَ ذراعيْنِ

أو ما ملّكتْ أيْمانُ العشْقِ منّي

كي تزيد جمْري

تُعاتبني

أنا المزْهو بريشِ الهمْسِ

وأنتِ تطْرقين بابي لتضَعيني في حضْنٍ

تردّدين دلّلولكِ من فمِ الصّمْتِ

كي يزْهو ما بقيَ لي

وقد فاضَ بيْنَ أصابعكِ العشْرةَ

ما كنْتُ قد تدرّبْتُ على الفطامِ

ما سامحني الشّوْقُ..كيْ أُعطّلَ دواةَ الحرفِ

أُعيدُ نضارةَ القمَرِ ولمْعةِ الشّمْسِ

قبْلَ الرّحيلِ إلى البساطِ

يتردّد أجْراسهُ بذيْلِ الرّيحِ..كي تسْمع الآفاقُ

وما صُلبَ لي غير صلاةٍ

وما صلّيْتُ

قبْلَ أن أتيمّمَ بكحْلِ طلا عيْني المساء

وأجلسهُ بقمْرةِ الرّوحِ..كي يراني عن قرْبٍ

كيفَ أنْسجُ التجاعيدَ على شيْبتي

كيْ أرمّمَ العمْرَ

ما أدْمنْتُ سوى سرّكَ..وما اخْتليتُ إلّا بروحك

وأنتِ تعْصرينَ مدنَ الضبابِ..ومدنَ الثّلْجِ

وحروفاً مرْتدّةً من بلْعومَ الشّوقِ

هل أحدثكِ عنْ أنتِ..كيف اخْتلسنا طاولةَ الشّايِ

كي تأتي بالكؤوسِ وتنيري المكانَ بأحْمرِ شفتيكِ؟

وكي نغنّي، ونجْمعَ دخّانَ لهاثنا

كمن يشْتهي السكائرَ من فمِ موقدٍ باللّذّةِ

هل أراقبكِ وأنا أجْمع ما يسّاقطُ من خدّيْكِ

كيْ أظنَّ أن الضياء له لوْن الرمّان

وأنه أطاحَ بظلّي فكان ظلال

حتى إذا عوت الكلابُ..لن تجدي سواي

يهشّ عنْكِ أضْغاثَ العشقِ..ويُداري سوءةَ الخبثِ

وما تركتْهُ الخديعةُ باسْم الحبِّ

أنا متّجهٌ إليْكِ لأغنّي

أنا على مرمى من روحي..كي أراقِصها

بانتشاءٍ وحْدي.