(نساء ولكن) للروائية نور عبد المجيد
ترميم الوجه وحضور الممثل الرصين
مقداد مسعود
القناع : سياج يخفي الوجه ، الوجه :مرآة حين نحدق إليها نصل القلب والعقل ..حين نطيل التحديق يضطرب ماء المرآة /الوجه ..يتفصد الخجل حبيبات في الجبين أو تصير الوجنتين بلون زهرة الرمان أو يطلى الوجه بصفار الكركم..وجوه العدائين مشدودة لكن ليس مثل إنشداد وجوه الكادحين..الخدود المكلثمة : علامة الرفاهية..فن التعذيب لدى الحكومات لايمس وجه السجين فالحكومة تريد ستر عوراتها من خلال حفاظها على هذا الوجه ..والشاعر العراقي العظيم محمود البريكان سبقنا جميعا وعنوّن ذلك في قصيدته (البدوي الذي لم ير وجه أحد) والوجه والوجاهة من نفس العائلة اللغوية ومن خلال تماه بينهما انبجست هوية طبقية حادة الحواف : وجهاء القوم ..بالنسبة لحكيم بصريا استاذنا القاص العظيم محمد خضير عنوّن كتابا له (حدائق الوجوه)..الوجه : ترجمان النفس والروح تنعكس عليه المؤثريات فيبثها ..(وجوهٌ يومئذٍ مُسفرة ٌ* ضاحكة نستبشرةٌ *ووجوه يومئذٍ عليها غبرة ٌ* ترهقها قترة ٌ * أولئك هم الكفرة الفجرة */عبس )وهذه السورة خطابها يبدأ بحركة الوجه..(عَبَس َ) وحركة الوجه هو أسم السورة وبلغتنا المعاصرة : العنوان ..
(*)
في روايتها (نساء ولكن ..) استوقفتني مفردة وجه ..التقطها لأجد لدي البوم من الوجوه ..من خلال هذه الوجوه ستتكشف لنا بورصة الاقنعة الاجتماعية .. وسنكون أمام وجه واحد أحد منه تنبجس السعادات كلها بصوفية لاتفنى ..صوفية ميدانية لاتؤمن بالتكايا /الزوايا..صوفية منصورية نسبة الى الدكتور منصور الذي لايمكن نسيانه ..هو مزيج من الابوة /الامومة ..كقارىء كأني كنت اسمع صوت الهادىءالندي ولاادري لماذا يذكرني بصوت وحضور الممثل الجميل الرصين : الأستاذ رشوان توفيق
(*)
في الصفحات الاولى من الرواية يرسم لنا السارد وجه سميحة ابنة الدكتور منصور/17 في ص21
ينعكس صراع سميحة مع نفسها فنرى مشطورة الى سميحتين ويشتعل بينهما حوار جواني ثم ينفر وجه سميحة من قناعها (حقا لاتعلم من هذه الشابة ذات القناع الحديدي التي تراها..) ..هي تريد التخلص من ماضي سميحة الذي جرحها وضمّدها بقناع قاس ولكنها بين قوتين متقاطعتين جهويا :قوة انتباذية وأخرى انجذابية ..رباب شقيقة سميحة وبشهادة الممرضة (أجمل مولودة رأتها على مدى أعوام عملها الطويل في قسم التوليد../32) لكن هذا الوجه الاجمل ..(يحمل عقلاً صغيراً لن يتجاوز عقل طفلة في الثالثة من عمرها على أحسن الاحوال ..ستبقى عاجزة عن الحديث ..عن الفهم..عاجزة حتى عن معرفة اسمها..)..سميحة تتذكر أمها كجرح عميق تتذكر صوت أمها الجارح وهي تتشاجر مع الدكتور منصور..تتذكر كم مرة قذفت بشوكتها على المائدة في وجهه..سميحة لاتتذكر كلمات امها نوالها لكنها ماتزال تسمع صراخها وبكاءها..ثم تحولت الأم ذكرى بعيدة لإمرأة كانت امهما هي وربابحين طلبت الطلاق ..لتفر من ابنتها الثانية المعوقة ..هاهي سميحة تزورها لتعيد إليها مبلغا من المال الأصح ..(تريد ان تراها..تريد أن تقذف بهذه الاوراق في وجهها..وجهها؟ مازالت تذكره جيداَ..ذاك الوجه الأبيض الرقيق..تعلم أنها تشبهها كثيرا..لكنها عادت تهز رأسها..أبدا لاتشبهها..في وجه أمها قسوة ..في وجهها سكين حادة مشهرة دوما../59)..إذاً ستكون موجهة بين وجهين بينهما تضاد /اتصال ..وستكون الرؤية واضحة ومحتدمة لكنها مستوية خلافا لذلك تكون الرؤية الطبقية (للناس اللي تحت ) فالمكان الذي يسمى مجازا (شقة ؟!) هو حفرة تهبط إليها أم سعيد في حارة القهوجي..في الحفرة التي تسكنها ام سعيد وابنها الحشاش دوما سيد : ثمة نافذة حديدية صغيرة لاترى امام سعيد وجوه الناس وابدانهم ..ترى غير اقدام المشاة (كل من يسير في الشارع يراهم تحت قدميه /51) في هذه الوحدة السردية المعنى الميداني للقاموس الأقتصادي : الطبقة المسحوقة.
(*)
يوم زواج سميحة كانت ملكة الاناقة والجمال لكن ثمة غياب شرس تشعره العروس جيدا..(كل شيء رائع عدا وجهها ينقصه شيء وعينيها أيضا../134)..المفتقد في وجه سميحة لايصنّع إطلاقا…وهي تعي جيدا أن ماينقصها الآن في لحظة زفافها لاتملكه خبيرة تجميل ولايصففه مصفف شعر..(عينيها ينقصهما البريق ووجهها مازالت تنقصه الابتسامة !../135)..وماتفتقده حتى هي لاتحاول استعادته (انا مش حزينة..انا بس اللي مابقاش فيه فرحة بتظهر على ملامحي ../139)..عزيزة خطيبة سعيد تبدو ملامحها عادية (لكن شيئاما بها مثير..شيئا في وجهها يحرك القلوب ..وآخر في ابتسامتها يوقظ الاجساد يستحق ان تقف عنده العيون../155) هذا الشيء عرفت الام/ القوادة ان تتاجر به..
(*)
علاء المتسلق كغصون اللبلاب سيرى في وجه نوال الرقيق ..(ألف حاجز وألف سد لايجرؤ أحد على اقتحامه../166) حين انتقل الى رحمة الله الدكتور منصور ،لم ترتعب من الموت ابنته سميحة وهي جالسة جواره (تنظرالى وجهه الجميل..وجهه هادىء..لا ألم فيه ولاحزن كأنه تحرر من كل آلامه ومخاوفه ../182).. وجه الدكتور منصور هل هو قناع الموت ؟ الذي ازال عن الوجه كل الألم
مَن رَسمَ هذا القناع / الوجه؟ و(مَسَح َ بأصابعه السحرية على وجه حبيبها فأضاع ملامح الألم والخوف ليترك ملامحه ساكنة مضيئة تعلن عن رجل كان من أجمل القلوب وأكثرها طهراً وعطاءً../183)
حين دخلت نوال مجلس الفاتحة (وقفت وجهّا لوجه أمام إبنتها ../195) ..لحظتها انصعقت سميحة :دارت الأرض بها ودارت أيضا بها السماء لكنها تماسك بسبب الوجوه المراقبة الراصدة لهذه اللحظة..وحين يعزيها احمد زهدي ،ستلتقط نوال شفرة حميمية بين وجه احمد ووجه ابنتها (ألتقطت نوال عيني سميحة وهي تنظر الى الواقف أمامها وبحس الانثى علمت ان عينيها قالت ماتقوله امرأة رأت رجلا تحمل له في قلبها أشياء لاتدركها إلا النساء../198)..عين سميحة تصطاد في اصابع أحمد علامة فينعكس مؤثرية الصيد على وجهها..(دون وعي نظرت الى كف أحمد لتجد في أحد أصابع يده اليمنى دبلة وعادت ترفع عينيها الى وجهه في دهشة ../199)..لا يكتفون بتعذيب السجين بل أحضر النقيب زوجة السجين ليهتك عرضها أمام زوجها والنقيب يشهر سقوطه الاخلاقي هو.. ..لكن في الفضاء المغلق المعتم اللزج للشرطة والسجين لاحول ولاقوة سيقوم بتقبيل حذاء النقيب دفاعا عن عرضه بعدها سيكون السجين بعد اطلاق سرحه في منزلة بين منزلتين وبشهادته.(انا من يومها مش قادر أبص في وشها ولاقادر أطلقها ../220)..نوال بسبب انانيتها وتناسين بناتها حين يكاشفها زوجهها الثاني لاقدرة لها على مواجهة زوجها ..(حاول أن يرفع رأسها لينظر الى وجهها لكنها قاومته في عنف لاتريد ان تنظر في وجه احد../244).. الدكتورة عفاف وهي طبيبة اطفال حين تذكرت اعاقة رباب
ستلتقط حركة سريعة بين وجهيّ سميحة وأحمد ..(رفعت سميحة عينيها بسرعة تنظر الى وجه أحمد ثم استدارت الى وجه عفاف الساكن في جنون وهي لاتفهم ماتعنيه ../253) فتستدرك الطبيبة (أنا آسفة إني بأقول اعاقة..باقولها بحكم المهنة ..أنا حقيقي مؤمنة ان كل حالة من دول هبة وهدية..)..جميلة أم عزيزة تعالج الفقر بالمتاجرة بإبنتها عزيزة خطيبة سعيد ..جميلة تريد تعوّض فقرها مع زوجها الصباغ من خلال المال مقابل شرف عزيزة لذا فهي (لم تهتم بقطرات الدموع التي سقطت على وجنة ابنتها لم تسمع حتى صوتها المذبوح ولم تر وجهها الذي هربت منه الدماء../280)..سيد الحشاش المركوز بالعطالة والادمان لايملك سوى ابتزاز امه الخادمة في بيت الدكتور منصور ثم في بيت ابنته سميحةيتصور سيد ان طهارة سميحة من مشتقات المكياج فخياله الدنيء يتصورها ساقطة مغرورة (ترسم الطهارة على وجهها الجميل !!../286)..
*نور عبد المجيد/ نساء ولكن / الدار العربية للعلوم / بيروت/ 2009/


















