ناجيان من مجزرة عرقية قبل مائة عام يعودان إلى أرض الأجداد

اكرا‭ (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬بدأت‭ ‬الأميركية‭ ‬السوداء‭ ‬فيولا‭ ‬فيتشر‭ (‬107‭ ‬سنوات‭) ‬وشقيقها‭ ‬هيو‭ ‬فان‭ ‬إيليس‭ (‬100‭ ‬عام‭)‬،‭ ‬رحلة‭ ‬مشحونة‭ ‬بالعواطف‭ ‬في‭ ‬غانا‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬جذورهما‭ ‬الإفريقية،‭ ‬في‭ ‬ذكرى‭ ‬مرور‭ ‬قرن‭ ‬على‭ ‬نجاتهما‭ ‬من‭ ‬مجزرة‭ ‬تولسا‭ ‬العرقية‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬وقد‭ ‬استُقبل‭ ‬الشقيقان‭ ‬السبت‭ ‬على‭ ‬كرسيهما‭ ‬المتحرك‭ ‬بلافتات‭ ‬ترحب‭ ‬بهما‭ “‬على‭ ‬أرض‭ ‬الوطن‭”‬،‭ ‬مع‭ ‬ابتسامة‭ ‬علت‭ ‬محياهما‭ ‬أمام‭ ‬حشود‭ ‬المستقبلين‭ ‬في‭ ‬مطار‭ ‬العاصمة‭ ‬الغانيّة‭ ‬أكرا‭.‬

وتكثف‭ ‬غانا‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬نقاط‭ ‬الانطلاق‭ ‬لتجارة‭ ‬الرقيق‭ ‬بين‭ ‬القرنين‭ ‬الخامس‭ ‬عشر‭ ‬والثامن‭ ‬عشر،‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬دعواتها‭ ‬أحفاد‭ ‬العبيد‭ ‬ورعاياها‭ ‬في‭ ‬الشتات‭ ‬من‭ ‬أجل‭ “‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬ديارهم‭”.‬

وقد‭ ‬لبّى‭ ‬المعمّران‭ ‬الأميركيان‭ ‬هذا‭ ‬النداء،‭ ‬إذ‭ ‬بدآ‭ ‬في‭ ‬الساعات‭ ‬الأخيرة‭ ‬زيارة‭ ‬تستمر‭ ‬أسبوعا‭ ‬في‭ ‬البلد‭ ‬الواقع‭ ‬في‭ ‬غرب‭ ‬إفريقيا‭ ‬بصحبة‭ ‬أحفادهما‭.‬

وقالت‭ ‬ماما‭ ‬ابنة‭ ‬هيوز‭ ‬فان‭ ‬ايليس‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ “‬هذه‭ ‬أول‭ ‬زيارة‭ ‬لي‭ ‬للقارة‭ ‬الإفريقية‭ ‬ويسعدني‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬هنا‭”.‬

عند‭ ‬الوصول،‭ ‬تسلمت‭ ‬العائلة‭ ‬بأكملها‭ ‬زهورا‭ ‬وأوشحة‭ ‬تحمل‭ ‬عبارة‭ “‬ما‭ ‬بعد‭ ‬العودة‭”‬،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬حملة‭ ‬الحكومة‭ ‬الغانيّة‭ ‬التي‭ ‬انطلقت‭ ‬عام‭ ‬2019‭ ‬بعد‭ ‬أربعة‭ ‬قرون‭ ‬من‭ ‬إنزال‭ ‬أول‭ ‬سفينة‭ ‬رقيق‭ ‬في‭ ‬الأميركيتين‭.‬

وقال‭ ‬آيك‭ ‬هوارد،‭ ‬حفيد‭ ‬فليتشر،‭ ‬إن‭ “‬أجدادي‭ ‬متحمسون‭ ‬للغاية‭ ‬لوجودهم‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬الأم‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭”. ‬وأوضح‭ “‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تزوروا‭ ‬إفريقيا،‭ ‬فقد‭ ‬حان‭ ‬الوقت‭ ‬لذلك‭”‬،‭ ‬مضيفا‭ “‬نحن‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬جائحة‭ ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يعلم‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يخبئه‭ ‬الغد‭”.‬

ولفيولا‭ ‬فليتشر‭ ‬الملقبة‭ “‬الأم‭ ‬فليتشر‭”‬،‭ ‬وشقيقها‭ ‬هيوز‭ ‬المعروف‭ ‬بـ‭”‬العم‭ ‬ريد‭”‬،‭ ‬اللذين‭ ‬نشآ‭ ‬في‭ ‬غرينوود،‭ ‬يرتدي‭ ‬عام‭ ‬2021‭ ‬رمزية‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬مسعاهما‭ ‬للتعرف‭ ‬إلى‭ ‬جذورهما‭ ‬الإفريقية‭. ‬فقبل‭ ‬قرن‭ ‬من‭ ‬الزمن،‭ ‬هاجمت‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬البيض‭ ‬المسلحين‭ ‬أفرادا‭ ‬من‭ ‬مجتمع‭ ‬السود‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الحي‭ ‬بمدينة‭ ‬تولسا‭ ‬في‭ ‬ولاية‭ ‬أوكلاهوما‭ ‬الأميركية‭.‬

وأسفرت‭ ‬موجة‭ ‬الكراهية‭ ‬التي‭ ‬عصفت‭ ‬بمنطقة‭ ‬التسوق‭ ‬المزدهرة‭ ‬هذه‭ ‬الملقبة‭ ‬بـ‭ “‬بلاك‭ ‬وول‭ ‬ستريت‭”(“‬وول‭ ‬ستريت‭ ‬السوداء‭”)‬،‭ ‬عن‭ ‬مقتل‭ ‬ما‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬300‭ ‬أميركي‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬إفريقي‭ ‬وتشريد‭ ‬عشرة‭ ‬آلاف‭ ‬آخرين‭ ‬إثر‭ ‬حرق‭ ‬مبانيهم‭. ‬في‭ ‬شهادة‭ ‬حديثة،‭ ‬أكدت‭ ‬فيولا‭ ‬فليتشر‭ ‬أنها‭ ‬تسترجع‭ ‬ذكريات‭ ‬المذبحة‭ ‬كل‭ ‬يوم‭.‬

وكتبت‭ ‬في‭ ‬منتدى‭ ‬الشتات‭ ‬الإفريقي،‭ ‬وهي‭ ‬منظمة‭ ‬غير‭ ‬حكومية‭ ‬شاركت‭ ‬في‭ ‬رعاية‭ ‬الرحلة‭ ‬مع‭ ‬شبكة‭ “‬أور‭ ‬بلاك‭ ‬تروث‭” ‬الاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬تتيح‭ ‬لأحفاد‭ ‬الأفارقة‭ ‬تعلم‭ ‬تاريخهم‭.‬

وقالت‭ ‬فليتشر‭ “‬كان‭ ‬لدي‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يحتاج‭ ‬اليه‭ ‬أي‭ ‬طفل‭ (…) ‬لكن‭ ‬في‭ ‬غضون‭ ‬ساعات‭ ‬قليلة‭ ‬مرعبة،‭ ‬زال‭ ‬كل‭ ‬شيء‭”.‬

وأضافت‭ “‬الآن،‭ ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬السنوات،‭ ‬أنا‭ ‬سعيدة‭ ‬جدا‭ ‬لتحقيق‭ ‬حلم‭ ‬العمر‭ ‬بالذهاب‭ ‬إلى‭ ‬إفريقيا‭ ‬كما‭ ‬يسعدني‭ ‬جدا‭ ‬حصول‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬غانا‭ ‬الرائعة‭”.‬

وكانت‭ ‬غانا‭ ‬أول‭ ‬دولة‭ ‬في‭ ‬إفريقيا‭ ‬جنوب‭ ‬الصحراء‭ ‬تحصل‭ ‬على‭ ‬الاستقلال‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1957،‭ ‬وهي‭ ‬تشكل‭ ‬منذ‭ ‬فترة‭ ‬طويلة‭ ‬مركزا‭ ‬للفكر‭ ‬والذاكرة‭ ‬لمجتمعات‭ ‬السود‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭. ‬وقد‭ ‬عاشت‭ ‬الكاتبة‭ ‬والناشطة‭ ‬الحقوقية‭ ‬الأميركية‭ ‬مايا‭ ‬أنجيلو‭ ‬في‭ ‬أكرا‭ ‬في‭ ‬أوائل‭ ‬الستينيات‭.‬

وتصف‭ ‬نادية‭ ‬أدونغو‭ ‬موسى‭ ‬من‭ ‬إدارة‭ ‬شؤون‭ ‬المغتربين‭ ‬التابعة‭ ‬للحكومة‭ ‬زيارة‭ ‬هذين‭ ‬الناجيين‭ ‬من‭ ‬مجزرة‭ ‬تيسلا‭ ‬بأنها‭ ‬تاريخية‭.‬

وتقول‭ “‬أعتقد‭ ‬أنهما‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬المغتربين‭ ‬الأفارقة‭ ‬الذين‭ ‬عادوا‭ ‬إلينا‭”.‬

وستزور‭ ‬العائلة‭ ‬المواقع‭ ‬التاريخية‭ ‬من‭ ‬الحقبة‭ ‬الاستعمارية‭ ‬كما‭ ‬ستحصل‭ ‬على‭ ‬ألقاب‭ ‬رمزية‭ ‬خلال‭ ‬الاحتفالات‭ ‬التقليدية‭.‬

وتوضح‭ ‬موسى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الزيارة‭ ‬تشكل‭ ‬أيضا‭ ‬فرصة‭ ‬لإظهار‭ ‬أن‭ ‬غانا‭ “‬منفتحة‭” ‬و‭ “‬آمنة‭”‬،‭ ‬مبدية‭ ‬إعجابها‭ ‬بعزيمة‭ ‬الزائرة‭ ‬المعمّرة‭ ‬خصوصا‭ “‬الشغف‭ ‬والاهتمام‭ ‬في‭ ‬زيارة‭ ‬غانا‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬107‭ ‬أعوام،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بالمجيء‭ ‬لوحدها‭ ‬بل‭ ‬أيضا‭ ‬مع‭ ‬إحضار‭ ‬شقيقها‭ ‬الأصغر‭ ‬البالغ‭ ‬100‭ ‬عام‭”.‬

وفي‭ ‬نيسان‭/‬أبريل،‭ ‬أدلى‭ ‬بعض‭ ‬من‭ ‬آخر‭ ‬الناجين‭ ‬من‭ ‬مجزرة‭ ‬تولسا‭ ‬المتبقين‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة،‭ ‬بشهاداتهم‭ ‬أمام‭ ‬الكونغرس‭ ‬الأميركي،‭ ‬مطالبين‭ ‬بالاعتراف‭ ‬الرسمي‭ ‬بالمعاناة‭ ‬والأذى‭ ‬اللذين‭ ‬لحقا‭ ‬بضحايا‭ ‬المجزرة‭.‬

ولم‭ ‬تتم‭ ‬إدانة‭ ‬أي‭ ‬شخص‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭ ‬بسبب‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬غرينوود،‭ ‬كما‭ ‬رفضت‭ ‬شركات‭ ‬التأمين‭ ‬دفع‭ ‬أي‭ ‬تعويض‭ ‬للضحايا‭ ‬السود‭ ‬بحجة‭ ‬أن‭ ‬الأذى‭ ‬ناجم‭ ‬عن‭ ‬أعمال‭ ‬شغب‭.‬

وبمناسبة‭ ‬الذكرى‭ ‬المئوية‭ ‬للمجزرة‭ ‬في‭ ‬أوائل‭ ‬حزيران‭/‬يونيو،‭ ‬أقر‭ ‬الرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬جو‭ ‬بايدن‭ ‬بأنه‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ “‬جهد‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لمحوها‭ ‬من‭ ‬ذاكرتنا‭”.‬