مهدي علي أزبين وسلالمه التائهة
ميزة خاصة لإستخدام اللغة – نصوص – كاظم السعيدي
لقد أفرزت الساحة الثقافية بعد عام 2003 أصواتاً قصصية مبدعة استطاعت أن تشكّل حضوراً في مجال القصة والرواية، وحضورها هذا تكرس من خلال الكتابات التي نشرت في معظم الصحف والمجلات الثقافية.
من هذه الأسماء اللامعة، القاص (مهدي علي ازبين) الذي نشر مؤخراً نصه السردي (سلالم التيه)، أبرز من خلاله شخصية (نحول) هذه الرقيقة الطموحة والتي تتطلع للحظوة في المجتمع مهما كانت صعوبة الطريق، حيث جعلت نفسها تصافح ألسن عماد الدولة، فالكباش المسعورة “شغوفة بنهش النعاج” كما يورد الكات:”أيعقل أن يترك الأستاذ حور العين ويرغب بالنطيحة والمتردية؟”. وشخصية (نحول) شخصية انتهازية لم تثبت على سلوك معين في تعاملها مع الآخرين، وأرادت أن ترتقي سلم الحياة بسرعة من خلال علاقتها بأكبر مسؤول بالدولة، وعندما فشلت في بناء جسر علاقتها معه اتجهت إلى ابنه البكر المعروف بهوسه وغدره بالنساء، حيث سعت إلى حتفها بنفسها بلا تردد، ثم عادت تحمل أذيال العار والفضيحة، إذ راحت الألسن تلوكها، وقد اتضح من خلال ما كتبه المبدع (مهدي) نصه السردي حيث ظهر التداخل السردي الزمكاني، موضحاً: “إنها تطلق ابتسامات فاقعة، تتبعها ضحكات متهلهلة على حبل تتلاعب به رياح الخداع المتبادل”. ويضيف الكاتب أنها كانت تتصنع حتى في مشيتها، وكانت تبثّ رسائل أنثوية.
أهم ما يميز النص السردي أنه يبدأ أو ينتهي ليراجع علاقة (نحول) الانتهازية التي اصطدمت بالواقع، إذ انخرطت في ثناياه في دورة المظليين وارتباطها بعلاقة حميمة مع (نورس) التي اختفت في ظروف غامضة، لم يعرف عنها شيئاً بل سحقتها عجلة الزمن المفتعل.
أما لغة النص فكانت لغة شعرية رائعة كأن الكاتب يرسم لوحات فنية بتداعٍ حر، يحاكي به مشاعر شخصيات نصه وهذه ميزة خاصة من ميزات اللغة لدى (مهدي) بشكل عام، إلا أنه يؤاخذ على النص تبدل موقف الأب فكان فقاعة، سرعان ما أفسدتها رياح همسات (نحول)، وحولت اندفاعاته للمحاسبة إلى صمت طويل. حتى بدا وكأنه استوعب الدرس الذي تعرضت له ابنته، إنه من مركز التفكير الواحد ويجب عليه الانقياد في دوائر الانصياع المزمن لتختصر المعادلة، وتسجل مثلما أرادت (نحول) حيث اقتنع الأب برأيها، ويتوضح للقارئ أنه عرف السبب، ومن وراء الحادث بشكل أكيد، فاستقرأ ردود أفعال ابنته، عندما لم تفصح عن اسم المســــــبب لما جرى لها.. عندها علم أن ابنته ضحــــــية من ضحايا الأستاذ..!! مما أدخلها في جو نفسي سيء، عندما ساورها القلــــق والانفعال و الميل إلى العزلة..
كا أن انتقال النص إلى المأزق الخلفي الذي يمارسه (الابن البكر) مع (نحول) حين أفقدها عذريتها، ومن يزرع بداخلها جسماً غريباً، أعطى للمعاناة أبعاداً أخرى فانهارت ونقلت إلى المستشفى تحت وطأة الإغماء..
في الحقيقة أن صدمتها التي تعرضت لها لم تتوقعها بذلك المستوى من التجاوز.. إذاً بقيت نهاية السرد مفتوحة.. وهي مشابهه لمعاناة ضحايا آخرين تعرضوا لها..
لقد أجاد (مهدي) في توضيف أدواته الشعرية وراح يرسم لوحات فنية تبهر من يقرأ النص السردي. فحلق عالياً وأمسك بزمام النص بإحكام تداعٍ حر رائع وقد لعبت لغته الشعرية دوراً بارزاً في تشابك نسيج النص.. فهو تمكن من رسم لوحاته في فضاءاته الشعرية ليجسد صورة رائعة بلغته المعروفة لديه والتي أرّخت لنا حقبة مظلمة بتلك الحالة النصية المتميزة، حيث كان الطغاة يتلاعبون بمصائر الناس دون رادع من قانون أو ضمير.


















