مولد غراب لوارد بدر السالم .. قدرة سردية على محفزات التغيير
محمد جبير
لايمكن للذاكرة النقدية العراقية ان تتجاوز القاص والروائي المبدع وارد بدر السالم ، فانه يفرض نفسه فرضا على تلك الذاكرة مهما ارادت ان تلبس لبوس العقائدية او الشكلانية او الحداثوية في النظرة للمنجز الابداعي بشكله المتكامل على مدى اكثر من ثلاثين سنة او بشكله الفردي الخاص كمنجز مستقل عن مجمل الانجاز العام للكاتب .وتانتج تجربة القراءة لسرديات السالم انماط متعددة من المتعة القرائية بالنسبة للمتلقي الواعي ، وتاخذه الى مديات واسعة من التاويل ، اذ ينفتح نصه السردي على ابعاد فكية وتجليات تكشف عن عمق نظرة السارد للمعطيات الواقعية وتجليات تلك المعطيات على مستوى النص السردي الابداعي .فالسالم ومنذ ان نشر كتابه الاول ” ذلك البكاء الجميل -1983″ وتبعه ب” اصابع الصفاف -1987″ و”جذوع في العراء-1988″ و ” المعدان-1995″ و” عكس المقص- 2001″ لميكن يفكر في الكتابة السردية على انها مشروع توثيق لحوادث مفترضة او واقعية وانما الكتابة بصفتها مشروع فكري قادر على خلخلة الوعي الساكن لدى المتلقي وخلق فجوات تملا في التامل الايجابي في الواقع الفاسد لخلق فعل التغيير او التحفيز على التغيير او خلق ممكنات التفكير في التغيير .لذلك لم تكن الكتابة ترفا وانما لحظة تفجير للمكنونات الصامتة في داخل الكائن السردي في النص ومن يقرأ النصوص السردية القصيرة يستطيع ان يكتشف الاشكاليات التي تثيرها تلك النصوص بالنسبة للمتلقي كما انها تثير اشكاليات متعددة للكطتاب التي تضعه في دائرة التوضيح اوابعاد مايمكن ابعاده من التاويلات التي قد تمس سلطة القوة او القادرة على الغاء وجود الانسيان ، اذ لم يكن الكاتب مثقفا اخرسا او صامتا على الخروقات التي تمتهن انسانية الانسان او تقلل من قيمته العليا الا انه في بعض الا حيان يرتضي هذا الا نسان ان يكون عصا بيد السلطة لضرب او تهشيم جمجمة انسان مثقف ، وكانت متعة وارد في ذلك في تمرير نصه المراوغ على الرقيب الشرطي والحارس الامين لايدولوجيا السلطة.يرسم وارد بدر السالم حكايته السردية في ” مولد غراب ” عبر اربع جمل سردية تكشف عن عناصر المراوغة السردية التي تريد ان تنتهك العذرية المزعومة للسلطة والتي تمثل بعدة مرموزات في متن الحكاية ولاتقف عندها وانما تنطلق الى افاق ابعد من المتن السردي الى الجذر الواقعي الذي حفز على ابتكار الحكاية في متنها السردي على لسان السارد اولا وعلى ماتم تدوينه في الورق ” 70″ صفحة او في النص او النصوص المؤولة لدى القارئ.حيث ان حكاية ” غراب ” تحمل في ثنايها اجنة شرعية وغير شرعية لحكايات اخرى ،فقد تكونت هذه الحكاية من اربعة مفاتيح وقفل واحد والمفاتيح هي ” مفاتيح الكلام ، مفاتيح السؤال ، مفاتيح السيد ، مفاتيح الخطأ والخطيئة ” وهي مفاتيح استهلالية تفضي الى متن الحكاية وهذه المفاتيح بنيت على تراتبية تصاعدية تاخذ المتلقي الى ذرروة الحكاية في قصدها الملتبس على الشرعي وغيرالشرعي ، ليحلق بالمتلقي الى فضاءات التاويل بعيد عن النص في مفاتيح الى نص التاويل او النصوص المؤولة ، حيث لايبقي السالم حكايته مغلقة على تاويل وانما تنفتح على تاويلات عدة تكشف عنها المحمولات في المتن السردي او تشير اليها في اشارات ملتبسة القصد كما هي النهاية التي اريد لها ان تكون ملتبسة ، لتغلق على الرقيبدائرةمفاتيح السؤال وتفتحها امام عين المتلقي الذي ينبش في خرائب الذاكرة عن استدلالات الاستهلال الذي ربما يقود الى خارج متاهات الحكاية،ولكن ماقيمة هذه المفاتيح من دون وجود قفل يسمح لاحد المفاتيح لتعشيق الحركة الدلالية للنص السردي ، ليكون نصا شرعيا مؤملا من المتلقي وليس نتاجا للعلاقة تاويلية غير شرعية بين المنتج والمتلقي .تحلينا النهاية الاسطورية الملتبسة القصد الى البحث في متن الحكاية وخارجها وصولا الى العتبة التي هي اصلا عتبة تثير التباس لدى المتلقي في دلالة الاسم او في واقعيته الدلالية ، اذ لايمكن ان يكون اسم علم مجرد وانما هو دلالة شئمم ، ليس على مستوى حامل الاسم فقط وانما على مستوى الفضاء الذي يتحرك فيه ” غراب” .لكن غراباً يسكن منذ ثلاثين عاما في بيت قصب بالقرب من الماء بعد ان التقطه الشيخ من الجرف ملفوفا بخرقة ” نغل” ، هذا اللقيط بعد ثلاثين سنة يلد لقيطا على يد السيد وامام انظار الشيخ الذي تبناه ورعاه واسكنه عند ضفاف القرية التي انشغلت بفعلته الغريبة التي لم تجد لها تفسيرا وذهبت الى السيد في وسط الهور لتجد عنده التفسير.التباس قصدية النص ، تحيل المتلقي الى اوراق لم تقرأ او لم تلفت انتباه المتلقي لانها خارج سياق المتن السردي وقد يفترض انها غير معينة في ترتيب النسق الحكائي لكن العودة لها تشكل اضاءة على الرغم من انم هذا النص الذي هو خارج المتن ، كان تنويه وضع في اطار مستطيل نص على الاتي “قديحدث تشابه او تطابق بين الاسماء الواردة في الرواية مع اسماء حقيقية في الواقع .. ربما مجرد مصادفة مع يقيني ان هذه الفضيحة قد وقعت بالفعل.”,هذا التنوية هو اكثر التباسا من التباس النهاية ، اذ ان الكاتب غير معني بتشابه الاسماء ، فهي مصادفة وانما معني بالحكاية اذ يؤكد مرة اخرى ان ” هذه الفضيحة قد وقعت بالفعل” وهومايضفي على الحكاية غرائبيتها، والقدرة المحفزة على التاويل ليس بالمعنى الدلالي لمفردة الغراب وانما في البعد الدلالي للزمن الذي عاشه هذا الغراب لينتج لقيطا من رحم لقيط .في هذه الحكاية السردية ، اكثر من مرموز للسلطات المهينة على حياة الانسان الواقعية ، فقد يكون السلطة خاضعا لسلطة الحاكم باعتباره مهيمنا رئيسا يلد عدة مهيمنات هم نتاج العلاقة اللاشرعية بين تلك السلطة والسلطات الاخرة التي تنتج النظام الاستبدادي او تكون ركائز دعم وديمومة لاستمرار تلك السلطة وقد تتمثل في سلطة الشيخ الذي يرعة بذرة الوجود للاشرعي والسيد ابلذي كان يتستر على هذه البذرة ويدفع بولادة ثمرة لاشرعية اخرى من اجل استمرار ديمومة ذكر الشؤم او استمراره مهيمنا على مقدرات البشر جراء التعسف او الظلم القائم .نقرأ الاشارة الاخيرة في هذا النص الا وهي التاريخ الذي دونه الكاتب في ذيلهذا النص الغرائبي لغراب الزمن الماضي “كانون الثاني/ تموز 1997 بغداد” ، وتموز عراقيا لن يكون شهرا مجهولا في حوادثه الجسام فهو شهر المتغيرات المفصلية في التاريخ العراقي الحديث ، ففي هذا الشهر من عام 1958 كانت ” 14 تموز” والتي انتقل فيها العراق من النظام الملكي الى الجمهوري ، وبينها وبين تاريخ انتهاء كتابة هذا النص هو اربعون سنة في حين عمر اللقيط هو ” ثلاثون” بمعنى اننا لابد ان نتقدم ” عشرة ” سنوات اخرى الى تموز 1968 ، حيث يتطابق الزمن السردي مع الزمن السياسي الواقعي ، وتتطابق العتبة مع التنويه مع الالتباس القصدي لنهاية الحكاية في ضوء الوقائع السردية التي رواها السارد ، وهو الامر الذي يفسر ظهور هذا النص لاول مرة مطبوعا ضمن مطبوعات الاستنتساخ التي سادت في النصف الثاني من التسعينات وتوزع بشكل شخصي محدود على قراء يرتكن لوعيهم في قراءة نصوص الاستنساخ الشعرية والسردية والتي كانت تنتشر بين المتلقين بعيدا عن سلطة الرقيب الايدلوجي ولدى مكاتب استنساخ يديرها ادباء وشعراء من ضحن الوسط الثقافي الابداعي الرافض لمبتكرات خنق الابداع وتذويبه ضمن قنوات السلطة ، التي كانت تريد ان تبرمج عقل وخيال المبدع العراقي ضمن موجهات اطر محدودة لايمكن الخروج عن سكتها ومن يفكر بالخروج عليه ان يتوقع غضبة غربان السلطة عليه الذين هم اكثر غربانية من غرابهم اللقيط .هذا النص الروائي القصير ، يحمل بين طياته الكثير من الدلالات ، وهو ينفتح على عدة مستويات دلالية من القراءات الواعية سواء على مستويات طبع هذا النص ، كاستنتساخ اولا وعن المؤسسة الرسمية للنشر ثانيا ” بغداد-2001″ وعربيا ” مركز الحضارة العربية -2004″ ، والعودة الى اعادة طبعها مرة ثالثة في بغداد عن دار سطور للنشر ، وهو مايؤشر الى الاهمية الاستثنائية لهذا النص السردي ، والذي فتح امام الكاتب وارد بدر السالم افاق التفكير الاوسع في النص السردي الذي ادى الى اكتشاف المتعة في كتابة السرديات الروائية ، وهو الامر الذي يتطلب منا وقفة اخرى مع النصوص اللاحقة اذ انها تشكل تنويعات سردية على الموضوعات او الثيمات الاسطورية والغرائبية التي يلتقطها الكاتب من الواقع الذي تشكل من تشابك دغل العلاقات االلاشرعية لخلق وجود شرعي.



















