
موت مؤجّل
سرور العلي
في المرآة يقفز وجهان ، أحدهم لأنثى تنضح بفورة شبابها ، والآخر لشاب محطم ، شعرها أسود طويل متموج على كتفها ، نهديها يتفجران أنوثة ودلال ، يكادان يخرجان من ثوبها ، يحاصر جسدها الممشوق القوام ، شفاه طازجة ، عينان تشعان براءة طفولية لم تختف بعد ، بجانبها يقف هو ، تكاد ساقاه لا تحملانه اللذان اصبحتا مؤخرا كصنبوران مياه اكلهما الصدأ، ذراعيه مرتخيان كجذوع خاوية ، وفمه جاف ، تقطعانه خطوط متعرجة زرقاء ، عيناه منطفئتان ، هالات سوداء تحيطهما ، لم يبق في الحاجبين سوى شعيرات قليلة ، تصارع للبقاء ، تقوس ظهره كعجوز هرم يتحدى سنوات شبابه البض .
شعره الرمادي نصفه على الوسادة ، والنصف الآخر مبعثر بشكل مأساوي على رأسه التي بدت مثل حبة الكمثري الذابلة ، انسحبت تجرجر أقدامها المتعبة ، تجلس على حافة السرير ، لم يبق أمامها لإشباع فراغها سوى الذكريات، تستحضرها كلما شعرت بالحنين، مالت برأسها وأخذت تتذكر ، كان في السادسة عشرة من عمره حين انتقلوا للسكن في محلتهم ، كانت يومها لازالت تذهب لمدرستها الثانوية ، تحمل حقيبتها الحمراء وتسير فرحة قبل أن تداهمها تهديدات أخيها ، عندما سمعته يوما وهو يتحدث مغتاظا مع أمها :
” يجب أن تترك المدرسة ، ليس لدينا فتيات يكملن دراستهن “
في تلك اللحظة ماتت أحلامها واستحالت رمادا منثورا يلاعب لياليها ، وهي مستلقية والريح تداعب ستائر النوافذ المشرعة .
كادت تنزلق قدمها في البرك التي خلفتها هطول الأمطار ليومين ، تنقذها يده الدافئة الممدودة نحوها ، تسمرت اقدامهما وجمدت النظرات لوهلة ، سحبت يدها بسرعة كمن لسعته مطواة ساخنة ، تلعثمت الكلمات على عتبة شفتيها ، وشكرته بحرج ثم استدارت وهربت خطواتها كأن عاصفة تلاحقها ، من يومها أصبحت النظرات مبتسمة والقلوب تشتعل لهفة إلى اللقاء ، انطوت على نفسها ، صارت تختلي في زوايا الشوارع حين تلمحه قادما ، تتمعن بتفاصيله ، طول قامته ، سمرته المشربة بالحمرة وتلك الحفرتان المزروعتان على وجنتيه ، صار الطريق إلى المدرسة يعج بالسعادة والأحلام والنظرات المسروقة الذائبة في الخجل .
ترى هل يدري أخي بما يحدث ؟ !
مجرد التفكير بالسؤال يرعبها ، يخيل أليها بأنه يدخل ، يصفع باب غرفتها ، يمسكها ، يشدها من شعرها ويقذفها من الشرفة، تتدحرج في بركة من الدماء . سرت البرودة في أطرافها . دهشت حين رأته من نافذة غرفتها يوما وهو يدخل برفقة أخيها ، وضعت يدها على فمها وكأن سرها افتضح ، ندت عنها تنهيدة ، خليط من الفرح والخوف ، عادت الأسئلة تأجج ذهنها ، كيف تجرأ على ذلك ؟ وماذا يفعل في بيتهم ؟! ركضت تنزل درجات السلم ببطء ، اقتربت من الصالة والصقت أذنها على الباب ، تناهى إليها صوت ضحكاتهم ، اعجبتها جرأته واحبت هذا التقرب المفاجئ من أجلها ، أخذت تختلس النظر من النافذة الوحيدة في الحائط ، رأته هناك يجلس بجانب أخيها ، يرتشفان كؤوس الشاي ويلوكان أقراص الرغيف الساخن ، يتراشقان بكلمات المزح ثم يطلقان قهقهات عالية ، أحست بالسعادة تغمر كل خلية بجسدها ، منذ ذلك المساء أصبح كثير التردد على بيتهم وأصبحت هي من تستقبله عند الباب ، تنتظر بنشوة موعد مجيئه المعتاد ، يختليان للحظات ، يتبادلان كلمات الحب ، وتجد اللمسات نصيبها أيضا ، حين يتغيب بسبب عمله الذي وجده في الميناء مؤخرا ، تلتزم غرفتها حدادا على مغيبه.
عاد ليجلس بالقرب منها ، يده المهزوزة تنقذها من ذكرياتهما ، صوته يخرج ضعيفا مهزوما :
” كم مر من الوقت وأنت لاتزالين هنا ؟ “
ابتلعت دموعها وأجابت بصوت رقيق :
” لا يهم ، ما قيمة الحياة دونك “
أراد أن يجيبها ولكن صوته خذله ، اشاح بنظره إلى النافذة ، والغروب ينتشر تاركا غلالات حزينة وطعماً كالعلقم في فمه ، ساعدته على الاستلقاء ، التقت الشفاه ، صفعتها الرائحة ففرت مرتعشة ، وكادت ترتطم بأنبوبة الأوكسجين الكبيرة خلفها ، اصطبغت وجنتيها بالحمرة، وتذكر سريعا خجلها القديم يوم حاول لمس شفتيها بأصابعه ، ارتجفت وابتعدت عنه والخجل يفيض منها ، لم يستسلم وكرر محاولاته مرة تلو الأخرى، في كل مرة كانت ترتجف كأنها المرة الاولى ، ظلت صحراء شفتيه ضمأنة لينابيع شفتها التي تشبه ثمرة طرية . غادرت الغرفة عندما شاهدت الممرضة تدخل لتحقنه جرعة كيماوي ، اعتادت على المغادرة في كل مرة يأخذ نصيبه من الجرعات ، يتساقط شعر رأسه وتشعر بأن أحد أعضائها يبتر عن جسدها ، ينطفئ هو وقلبها يتجه نحو العدم ، تكورت على مقعد قريب منها واجهشت بالبكاء ، يتسرب صوته متألما ، يشاركها البركان المعتمل بصدرها وتظل تغرق كل يوم .

















