مواقد النار – خليل ابراهيم العبيدي

مواقد النار – خليل ابراهيم العبيدي

مثل يتداوله البغداديون منذ الاربعينات من القرن الماضي عند حلول الشتاء القاسي جدا آنذاك ، وهم يتوافدون عند مغارب الشمس على مناقل النار المتقدة بفحم الكراجي وجمره اللاهب الذي يكاد يشوي الوجوه ، وقد اعتدنا الجلوس على فرش منها جلد الغزال أو بسط أهل الجنوب الجميلة ، ومنها ايضا جلود الخراف الصوفية التي تشيع الدفء في الاجساد ، وقد كانت مغاربنا مواعيد العشاء وتناول أستكانات الشاي مرة تلو الأخرى وهو معد سلفا على نار المناقل إلى جانب (كتلي الماء ) الذي يغلي باستمرار جراء قربه من تلك النار ، وكانت الأسرة تلتئم كل يوم ليلا حول تلك المنافل لتناول أطراف الحديث ، والاستماع إلى قصص الجد او الجدة،  وأعادة شرب الشاي ، ونحن  نشم رائحة البلوط والكستانة ، وهي تشوى على الفحم المتقد مطلقة اصواتا جراء الإنفجار ، الى جانب استماع إلاب إلى اذاعة هيئة الإذاعة البريطانية ( هنا لندن) . آنذاك.

لقد كانت مغارب العائلة البغدادية ، بداية السهرة ، وكانت شوارع محلاتها وازقتها تكاد تكون خالية بعد عودة الآباء في العصاري من أعمالهم اليومية ، وكانت لذة التجمع حول المناقل توحي بالبساطة وتقوي وحدة الأسرة ، وكثيرا ما كانت الابناء تسكن مع الآباء في دار العائلة بعد الزواج ، وهي تطل على الازقة بطابقها الثاني وبطرزها البغدادية الجميلة التي تنقل التراث من جبل إلى جيل ، وتسكن في النفوس محبة الاهل ولحمة العائلة وتجمعها حول الآباء بحرارة الولاء والمحبة ، كذاك التجمع الحار حول مواقد النار فاكهة الشتاء.