مواعيد العد التنازلي

فاتح عبدالسلام

دائماً،‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬عدد‭ ‬تنازلي‭ ‬لضربات‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭.‬

في‭ ‬العراق‭ ‬انتظرنا‭ ‬مراراً‭ ‬الضربات‭ ‬الموعودة‭ ‬في‭ ‬حروب‭ ‬بتنا‭ ‬نحصد‭ ‬نتائجها‭ ‬اليوم‭ ‬مع‭ ‬الذين‭ ‬نفذوا‭ ‬تلك‭ ‬الضربات‭ ‬وظنّوا‭ ‬أنها‭ ‬تقتل‭ ‬العراقيين‭ ‬فحسب،‭ ‬ولا‭ ‬تولد‭ ‬ردود‭ ‬أفعال‭ ‬تتطور‭ ‬الى‭ ‬تنظيمات‭ ‬ترهب‭ ‬دولاً‭.‬

في‭ ‬ليبيا‭ ‬كانت‭ ‬الصورة‭ ‬واضحة‭ ‬لضربات‭ ‬تحت‭ ‬جدول‭ ‬موعود‭ ‬ومن‭ ‬دونه‭ .‬

في‭ ‬سوريا‭ ‬أيضاً‭ ‬،‭ ‬مواعيد‭ ‬مستمرة‭ ‬ومتكررة‭ ‬للضربات‭ ‬والهجمات‭ ‬كانت‭ ‬تصاحب‭ ‬محطات‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬تفور‭ ‬في‭ ‬سنتها‭ ‬السابعة،‭ ‬كلّما‭ ‬ظننا‭ ‬إنّها‭ ‬تهمد‭.‬

القواسم‭ ‬المشتركة‭ ‬هي‭ ‬الشعوب‭ ‬التي‭ ‬تنتظر‭ ‬ضربات‭ ‬تصفية‭ ‬الحسابات‭ ‬بين‭ ‬الحكومات‭ ‬المتصارعة‭ ‬على‭ ‬مصالح،‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬مكشوفة‭ ‬في‭ ‬المدى‭ ‬المنظور،‭ ‬لاسيما‭ ‬عندما‭ ‬تكون‭ ‬برامج‭ ‬الضربات‭ ‬والاحتلالات‭ ‬تسيرعلى‭ ‬وفق‭ ‬جداول‭ ‬هادئة‭ ‬،‭ ‬غير‭ ‬إنّ‭ ‬النتيجة‭ ‬تختلف‭ ‬حين‭ ‬تتحول‭ ‬الضربات‭ ‬الى‭ ‬نكسات‭ .‬

لم‭ ‬يتوصل‭ ‬العقل‭ ‬البشري‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬الى‭ ‬حلول‭ ‬،لا‭ ‬أسميها‭ ‬سياسية‭ ‬،لكن‭ ‬أقول‭ ‬غير‭ ‬دموية‭ ‬،حتى‭ ‬لو‭ ‬أسفرت‭ ‬عن‭ ‬اقتلاع‭ ‬أنظمة‭ ‬حكم‭ ‬واحلال‭ ‬أنظمة‭ ‬مكانها‭.‬

هل‭ ‬كان‭ ‬الثمن‭ ‬الذي‭ ‬دفعه‭ ‬العراقيون‭ ‬من‭ ‬دمائهم‭ ‬وتاريخهم‭ ‬وجغرافيتهم‭ ‬وثرواتهم‭ ‬مبرراً‭ ‬لقلع‭ ‬نظام‭ ‬والمجيء‭ ‬بآخر‭. ‬وهل‭ ‬عجزت‭ ‬الاستراتيجيات‭ ‬الدولية‭ ‬الكبرى‭ ‬عن‭ ‬إحداث‭ ‬تغيير‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬اللجوء‭ ‬الى‭ ‬الضربات‭ ‬الماحقة‭ . ‬لكن‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬هناك‭ ‬مَن‭ ‬يعترض،‭ ‬ويرى‭ ‬أنّ‭ ‬التدمير‭ ‬الشامل‭ ‬للمدن‭ ‬مارسه‭ ‬نظام‭ ‬الحكم‭ ‬نفسه‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتدخل‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى‭ .‬

هناك‭ ‬وهم‭ ‬في‭ ‬عقول‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى‭ ‬حول‭ ‬نجاع‭ ‬عقاب‭ ‬الانظمة‭ ‬المارقة‭ ‬بضربات‭ ‬جوية‭ ‬،‭ ‬فقد‭ ‬نفذت‭ ‬الطائرات‭ ‬الامريكية‭ ‬ستة‭ ‬آلاف‭ ‬ضربة‭ ‬جوية‭ ‬وطلعة‭ ‬استباقية‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الثلاث‭ ‬عشرة‭ ‬التي‭ ‬سبقت‭ ‬حرب‭ ‬غزو‭ ‬العراق‭ ‬‮٢٠٠٣‬‭ ‬،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يهتز‭ ‬الوضع‭ ‬الداخلي‭ ‬للنظام‭ ‬القائم‭ ‬حينذاك‭ ‬،‭ ‬واليوم‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬ضربات‭ ‬ليوم‭ ‬أو‭ ‬يومين‭ ‬أن‭ ‬تسقط‭ ‬النظام‭ ‬،‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬عملية‭ ‬سقوط‭ ‬النظام‭ ‬وتغييره‭ ‬بنداً‭ ‬في‭ ‬التفاهمات‭ ‬الكبرى‭ ‬بين‭ ‬العمالقة‭ ‬،‭ ‬وهذا‭ ‬غير‭ ‬وارد‭ ‬حتى‭ ‬اللحظة‭. ‬

كثيرون‭ ‬فسّروا‭ ‬الضربة‭ ‬الاسرائيلية‭ ‬لمطار‭ ‬تي‭ ‬فور‭ ‬السوري‭ ‬إنقاذاً‭ ‬للنظام‭ ‬من‭ ‬الحرج‭ ‬الدولي‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬زاد‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬دمشق‭ ‬بسبب‭ ‬الكيمياوي‭ ‬في‭ ‬دوما‭ ‬،‭ ‬وكون‭ ‬اسرائيل‭ ‬لا‭ ‬تريد‭ ‬بدائل‭ ‬مفاجئة‭ ‬في‭ ‬سورية‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬تفاصيلها‭ ‬،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬من‭ ‬صنع‭ ‬موسكو‭ ‬أو‭ ‬واشنطن‭ .‬

دمشق‭ ‬موعودة‭ ‬بالعد‭ ‬التنازلي‭ ‬لضربة‭ ‬وشيكة‭ ‬،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬هي‭ ‬على‭ ‬موعد‭ ‬مع‭ ‬الصفحة‭ ‬الأخيرة‭ ‬لتقرير‭ ‬مصير‭ ‬سوريا‭ ‬وموقعها‭ ‬الجديد‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬،لاسيما‭ ‬بعد‭ ‬قيام‭ ‬روسيا‭ ‬وبمؤازرة‭ ‬تركيا‭ ‬في‭ ‬تصفية‭ ‬وجود‭ ‬المعارضة‭ ‬المسلحة‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬أهم‭ ‬المواقع‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬وهي‭ ‬الغوطة‭ ‬الشرقية‭.‬

‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬العد‭ ‬التنازلي‭ ‬المنتظر‭ ‬بعد‭ ‬الضربة‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬من‭ ‬دونها‭ .‬

رئيس التحرير – الطبعة الدولية