من ينقذ العراق؟ – سامي الزبيدي
كان العراقيون تواقون بعد تغيير نظام الحكم في العراق عام 2003 من قبل الأمريكان الى عملية تغيير سياسي حقيقي ينسي العراقيين حقب الدكتاتورية والظلم والجور والحروب ويؤسس لعملية سياسية جديدة بثوابت وطنية وأسس ديمقراطية سليمة وحريات حقيقية تعيد بناء الإنسان العراقي بناءاً اجتماعياً وسياسياً وحضاريا يراعي خصوصية المجتمع العراقي وتنوع قومياته وأديانه ومذاهبه وطوائفه ويعزز وحدة العراق الوطنية ووحدة ترابه ويحقق الحياة الحرة الكريمة لفئات الشعب المختلفة ويراعي حقوق الإنسان وحرياته الشخصية ويحقق النمو الاقتصادي عصب الحياة الحديثة ويباشر بعملية البناء بناء الإنسان أولاً اجتماعياً وسلوكياً وتعليمياً ونفسياً وصحياً ثم بناء البلد وأعماره وتطوره والرقي به للحاق بركب الأمم المتقدمة بالاستغلال الأمثل لموارده وثرواته المتعددة وأمواله الطائلة ,لكن وللأسف الشديد فان سياسة سلطة الاحتلال كانت قد وضعت خططها ونواياها حتى قبل عملية الاحتلال لتقسيم العراق اثنياً وطائفياً الى ثلاثة أقاليم عرقية وطائفية تتصارع بينها لإضعاف العراق وتحجيم قدراته وإمكانياته الاقتصادية والمالية وطاقاته البشرية الخلاقة ونهب ثرواته وجعله لقمة سائغة لدول الجوار والدول الكبرى لا يقوى على النهوض ثانية وأخذ دوره الريادي العربي والإقليمي وقد هيأت سلطة الاحتلال الأحزاب القومية والدينية الطائفية التي جاءت مع الاحتلال لهذه المهمة وأسست لعملية سياسية مشوهة سيطرت فيها الأحزاب الطائفية على المشهد السياسي في العراق فتبنت سياسة التخندق الطائفي وإثارة النعرات الطائفية والصراع الطائفي بين القوى السياسية وبين مكونات الشعب وفئاته المختلفة هذه السياسة التي أوصلت البلد حد الحرب الأهلية الطائفية أعوام 2005 و2006 , واستمرت الأحزاب والقوى المهيمنة على الساحة السياسية في نهجها الطائفي الاقصائي من خلال سياسة المحاصصة الحزبية والطائفية التي توافقت عليها هذه الأحزاب لتقاسم المناصب في الدولة والحكومة وإقصاء الكفاءات الوطنية والعلمية والمهنية من أخذ دورها في خدمة وطنها وشعبها هذه السياسة التي جلبت الخراب والدمار للعراق وشعبه وأوصلت المزورين والجهلة وأنصاف المتعلمين الى المناصب الوزارية والمناصب الحساسة والمهمة في الدولة والحكومة فعمت الفوضى وسوء الإدارة وسوء الخدمات وفقدان الأمن والأمان وازدياد العمليات الإرهابية وعمليات الجريمة المنظمة واستشرى الفساد المالي والإداري في كل وزارات الدولة ومؤسساتها وتصاعدت عمليات الفساد سرقة أموال العراق ونهب ثروات الوطن من قبل السياسيين وأحزابهم وازدان الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية سوءاً وتصاعدت نسب الفقر والبطالة والأمراض ولم تفلح تظاهرات الشعب واعتصاماته ومطالباته المتكررة بإصلاح أوضاع البلد السياسية وإصلاح أمور الشعب الحياتية والمعيشية والخدمية في تغيير الواقع المرير الذي وصل إليه البلد في ظل هيمنة الأحزاب المتنفذة على المشهد السياسي وعلى الحياة العامة للبلد وتعنتها وتمسكها بالسلطة ومنافعها ومكاسبها بل زادت هذه الأحزاب من فسادها وسرقاتها الكبرى لأموال الشعب وثروات الوطن وأسست لها إمبراطوريات اقتصادية ومالية لتبقيها المهيمنة و المتنفذة والمتشبثة بالسلطة لتحقيق المزيد من المكاسب الحزبية والفئوية والمكاسب المالية والاقتصادية الإضافية على حساب مصلحة الشعب ومصالح الوطن العليا ولتبقى هي والفاعلة والمؤثرة في المشهد السياسي العراقي عقوداً أخرى إضافية .
تصحيح مسار
ولم تفلح محاولات بعض الدول العربية والإقليمية والمنظمات الدولية لتصحيح مسار العملية السياسية في العراق وفق أسس ديمقراطية حقيقية وعملية سياسية تشارك فيها كل مكونات الشعب العراقي دون تهميش أو إقصاء لأي مكون أو فئة وإعادة اللحمة الوطنية والتماسك الاجتماعي لأطياف الشعب وإنهاء الصراع السياسي والطائفي الذي تسبب في خسائر بشرية ومادية كبيرة وعطل عملية البناء والنهوض في البلد لكن لم يكتب لهذه المحاولات النجاح وفشلت مؤتمرات مكة وشرم الشيخ وعَمان وغيرها في إيجاد مخرج للصراع السياسي والطائفي وإصلاح ذات البين بين الأحزاب السياسية أولاً وبين مكونات الشعب العراقي ثانياً كما لم تفلح المحاولات و المبادرات الداخلية التي دعت إليها بعض الكتل والأحزاب السياسية المشاركة في العملية السياسية والمرجعيات الدينية لإيجاد أرضية سياسية مناسبة تنقذ العراق وشعبه من الاحتقان والصراع الطائفي ومن الفساد والسرقات الكبرى لأموال العراق وثرواته وتعيد بناء نسيج المجتمع العراقي من خلال الدعوة لمصالحة وطنية حقيقية تعيد الى البلد توازنه والى المجتمع تجانسه والى العملية السياسية صوابها فقد واجهت هذه المشاريع وهذه المحاولات مضايقات بل واعتراضات من قبل الأحزاب والكتل الطائفية المستفيدة من حالة التشرذم والصراع الطائفي والتفكك المجتمعي لتبقى هي المهيمنة على المشهد السياسي في البلد دون منازع من قوى وطنية حقيقية قد تعيد للعراق مكانته العربية والدولية ونهجه الوطني ووجهه العربي وتعيد بناء الإنسان العراقي بناءاً جديداً بالاستفادة من ثروات العراق وإمكاناته المادية والبشرية , وفشلت كل المحاولات الداخلية و العربية والإقليمية وحتى الدولية في تصحيح مسار العملية السياسية التي جاء بها المحتل وكرستها الأحزاب والكتل الطائفية المتنفذة لخدمة أجنداتها وأجندات دول إقليمية احتضنتها ووقفت معها لأنها خدمت مصالحها في العراق والمنطقة.
حالة فوضى
حاولت بعض الأحزاب والكتل السياسية الليبرالية والعلمانية والوطنية إيجاد مخرج لحالة الفوضى السياسية والصراع الطائفي وصراع الإرادات والتنافس على المكاسب والمناصب من خلال طرح مبادرات ومشاريع مصالحة وطنية ومشاريع إصلاح سياسي أهمها مشروع المصالحة الذي تبنته القائمة الوطنية العراقية ومشروع الإصلاح الذي طرحه السيد الصدر لإصلاح العملية السياسية والمشروع الوطني الذي دعا إليه الناشط السياسي الدكتور غسان العطية ومشروع النخب الوطنية والثقافية في المهجر وغيرها من مشاريع وطنية جادة لإنقاذ العراق وشعبه من الهاوية السحيقة التي انحدر إليها لكن وللأسف الشديد فان كل هذه المحاولات المبادرات والدعوات اصطدمت برفض الأحزاب والكتل السياسية المتنفذة التي تعتقد ان أي مشروع وطني لإنقاذ العراق وتصحيح مسار العملية السياسية المشوهة هو بداية النهاية لنفوذها وسطوتها وهيمنتها على المشهد السياسي والاقتصادي والمالي في البلد ,ولذر الرماد في العيون وللتخلص من الضغوط الشعبية والسياسية المتصاعدة فقد عمدت الأحزاب والكتل السياسية المهيمنة على المشهد السياسي في البلد ممثلة بالتحالف الوطني على طرح مبادرة للمصالحة الوطنية سميت بالتسوية الوطنية لا تستند الى رؤى وطنية مستقبلية حقيقية ولا الى تغيير جذري للعملية السياسية ولا التخلص من المحاصصة الحزبية والطائفية ولا تؤدي الى مصالحة مجتمعية حقيقية بين جميع مكونات وفئات وأحزاب وشرائح المجتمع العراقي لا تقصي أحد ولا تضع فيتو على هذا الطرف أو ذاك وقد واجهت هذه الدعوة انتقادات كبيرة حتى من الأحزاب والكتل المنضوية تحت عباءة التحالف الوطني صاحب مشروع التسوية إضافةً الى أحزاب وقوى وطنية مشاركة وغير مشاركة في العملية السياسية , لذا فن هذه المبادرة التي ولدت ميتة ولم تحضى بمقبولية الأحزاب والكتل السياسية العراقية ولا مقبولية الشارع العراقي لأنها تكرس الانقسام الطائفي وسياسة الإقصاء والتهميش وتبقي الكتل والأحزاب الطائفية سيدة المشهد السياسي في العراق ولا تأخذ المصالحة المجتمعية الحقيقية بين مكونات الشعب العراقي أساساً لها , وبعد مشروع التسوية طلع علينا بعض السياسيين بما سمي بمؤتمر حوار بغداد الذي لم يقدم أي جديد وفشل فشلاً ذريعاً في بلورة ولو رؤية وطنية لمشروع مصالحة مجتمعية وآخر المحاولات كانت مؤتمر جنيف الذي شاركت فيه بعض القوى السياسية وعارضته العديد من الأحزاب والكتل السياسية واتهمته بالطائفية والاعتماد على الأجندات الخارجية كأساس لحل مشاكل العراق ولم يقدم هو الآخر أي اقتراحات مقنعة لحلول توافقية للصراع السياسي والطــائفي في البلد.
ايجاد حلول
وفي ظل الفشل المتكرر للمحاولات الإقليمية والعربية والمحلية في إيجاد حلول حقيقية لمشاكل العراق السياسية المستعصية وفي ظل إصرار الكتل والأحزاب المتنفذة على سياستها الطائفية الاقصائية وتفردها بالسلطة منذ أربعة عشر عاماً التي أوصلت البلد الى ما هو عليه من تخلف في جميع الميادين السياسية والاقتصادية والمالية والعمرانية والخدمية والتعليمية والصحية والأمنية وفشل كبير في إدارة الدولة والحكومة وازدياد نسب الفقر والبطالة والأمراض وتفشي المخدرات وازدياد نسب الجريمة وسطوة العصابات والميليشيات واستشراء الفساد المالي_والإداري دون أي ردع للفاسدين ومحاسبتهم وتردي التعليم وتسيس القضاء واستمرار السرقات الكبرى لأموال الشعب وثروات الوطن وتهريب أموال العراق الى الخارج لتودع بأسماء سياسيين وعوائلهم وأحزابهم في بنوك الدول الأجنبية فمن ينقذ العراق وشعبه من الكوارث والمآسي التي حلت به ومن يخفف من معانات شعبه ويضمد جراحه ويعيد بناء وحدته الوطنية وتماسك مجتمعه ؟ ومن يوقف عمليات القتل والاغتيالات وفقدان الأمن والأمان ومن يوقف عمليات الفساد وسرقة أموال الشعب وتهريب أموال البلد لحسابات السياسيين في الخارج ؟ ومن يوقف المحاصصة الحزبية والطائفية في تقاسم المناصب والمكاسب ؟ومن يوقف الصراع السياسي والطائفي بين الأحزاب والكتل السياسية ؟ ومن يعمر الوطن ويبنيه ومن يؤمن للشعب الحياة الحرة الكريمة وينقذه من الفقر والجوع والبطالة والأمراض والتشرد والنزوح والهجرة ؟ من وكيف ومتى ؟ أسئلة بقيت حائرة بدون جواب وستبقى كذلك ما دامت الأحزاب والكتل السياسية متمسكة بالعملية السياسية الحالية رغم فشلها وإخفاقها في تقديم أي شئ للعراق وشعبه ومادام التخندق الحزبي والطائفي ســـيد هذه العمـــــلية السياسية .
نوايا صادقة
ان العراق بحاجة الى نوايا صادقة ومخلصة وثقة متبادلة تكون منطلقاً لعملية سياسية جديدة تجعل من الوطن والمواطن وحقوقه محوراً لها وتبتعد عن التخندق الطائفي والحزبي ,بحاجة الى عملية سياسية متوازنة يشترك فيها كل العراقيين على اختلاف انتماءاتهم العرقية والدينية والمذهبية والحزبية في بناء الوطن وإنقاذه من التشرذم والانقسام والصراع الطائفي وسوء الإدارة وسوء الخدمات وهدر أموال الشعب وثروات الوطن واستغلالها لبناء الإنسان أولاً بناءاً نفسياً واجتماعياً واقتصادياً وصحياً وتعليمياً صحيحاً ومن ثم بناء البلد وأعماره والنهوض به الى مصافي الدول المتطورة, بحاجة الى مصالحة مجتمعية وسياسية حقيقية و في آن واحد تضع مصلحة العراق وشعبه فوق كل المصالح الحزبية والفئوية والطائفية تبتعد فيها الأحزاب والكتل السياسية عن تخندقها وتمحورها الحزبي والطائفي وتقدم تنازلات كبيرة من أجل الشعب والوطن وبغير ذلك فان أية محاولات ترقيعية لترميم العملية السياسية الحالية مصيرها الفشل المحتوم ما لم تستند الى مشروع سياسي وطني حقيقي وشامل يراعي مصالح الشعب الحقيقية ومصالح الوطن العليا والسيادية وينهي المحاصصة الحزبية والطائفية في تقاسم المناصب ويحارب الفساد والفاسدين وسراق المال العام ويعيد بناء اللحمة الوطنية والتماسك المجتمعي فان الآتي سيكون أسوأ والمستقبل أكثر ظلاماً وسوداوية والمشاكل ستزداد والصراع السياسي والطائفي سيأخذ أبعاداً جديدة أكثر حدةً وان الانزلاق الى الهاوية السحيقة سيكون أسرع و لا مخرج منه أبداً .


















