
من مذكرات الاستاذ الدكتور عبد الهادي الخليلي (2)
قصة إختطافي ورحلتي في الطب والحياة
ماذا حدث لأصدقائي؟
شاهدت بعض ما حصل لأصدقائي الذين كانوا معي في السيارة فعلمت فيما بعد بأنهم أخرجوا من السيارة وطلب أحد أفراد العصابة من رياض الذي هو صاحب السيارة أن يخرج مفتاح السيارة من داخلها فمد يده من الخارج لإخراج المفتاح وبسبب ارتباكه تأخر قليلا وإذا بأحدهم يضربه من الخلف بأخمص المسدس على رأسه معتقدا أن تأخره متعمدا ليخرج مسدسا ربما كان أخفاه في السيارة. أخذ منه مفتاح السيارة ورماه خلف الجدار العالي لبناية الجامعة التكنولوجية. ومن بعد ذلك أطلق أفراد العصابة أحد عشر إطلاقة من مسدساتهم نحو إطارات سيارة رياض وفوق رؤوس أصدقائي وفي الهواء. وكان هدف إطلاق الرصاصات حرمان أصدقائي من احتمال متابعتهم وكذلك إعلام الناس بالمنطقة بما قاموا به للتخويف والإشهار. ولله الحمد لم يصب أي منهم بأذى.
في السيارة مع العصابة وكسر ضلعي:
مقعد خلجي
انطلقت السيارة بنا في شارع الصناعة وأنا في المقعد الخلفي بين الشخصين معصوب العينين ومكبل اليدين. مد الشخص الذي على يميني يده في جيبي وأفرغه من كل النقود التي جنيتها ذلك اليوم من فحص مرضاي في العيادة وبقي في الجيب ورقة نقدية واحدة بفئة عشرة الاف دينار لم ينتبه لها. وأخذوا مني هاتفي النقال كذلك. وبعد أن سارت بنا السيارة قليلا أجبرني الذي عن يميني أن أخفض جسمي إلى الأمام ووضع فخذه الأيسر بعنف على رأسي وحنى رقبتي إلى الأسفل كثيرا بضغط شديد ما سبب لي كسرا في ضلع من أضلاعي في الجانب الأيمن من الصدر. عندما أصبحت السيارة خارج المنطقة المأهولة أوقفوها وأخرجوني من داخلها ليضعوني في صندوق السيارة. كانت حافة الصندوق عالية نسبيا وكان علي أن أناور كي أصعد لأدخل الصندوق بسبب تكبيل يدي. دخلت الصندوق وقبعت في داخله باتجاه عرضي على جانبي الأيسر ولم أبد أية مقاومة. في تلك اللحظات علمت بأنه الموت المحقق وقلت في داخلي أن علي مجابهة الموت بقوة وإيمان بالمصير فهذا قدري. وسوف لن أنهار أمامهم أبدا أو أبدي ضعفا في شخصيتي كي لا أُشعرهم أنهم هم الأقوى. وهنا يجب أن أذكر بأني تملكني الرعب لأول وهلة التي لم تستغرق أكثر من ثوان ناديت خلالها والدتي نداءً قلبيا. وبعد ذلك آمنت بالواقع الذي لم أستغرب بتاتا من حدوثه وكنت أتوقع أن يحدث لي وللعديد من أقراني.
داخل صندوق السيارة:
كان صندوق السيرة البي أم دبليو محكما تماما ومظلما ظلاما دامساً. وعندما استقريت داخل الصندوق وسمعتهم يتحدثون مع شخص على الهاتف ويبلغوه بأنهم “جلبوا البضاعة” فكنت أنا البضاعة التي جلبوها! كان أول عمل قمت به وأنا في الصندوق هو ترديد الشهادتين وأن الموت حق والمبعث حق ودعوت الله دعاء “أمّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء” وغيرها من الأدعية القصيرة وآيات من القرآن الكريم، وعندها استقرت نفسي.
فكرت فيما أصبحت فيه ومر أمامي شريط حياتي؛ ماذا حققت فيها وماهي المعاصي التي ارتكبتها وما هي الأعمال الخيرة التي قمت بها. تذكرت ما قدمته من خير طول الوقت؛ فقد خدمت مرضاي بأفضل ما أستطيع وخدمت طلابي بكل ما لدي من قدرات تعليمية ومعرفة وخدمت المجتمع بالعلن والسر بما قدرت عليه وتجاوزت ذلك كثيرا في بعض الأحيان. بالرغم من كل التيارات التي كانت ضدي والتي كانت تجبرني على الهجرة للعيش الأفضل لي ولعائلتي حرصت أن أضحي بذلك كله في سبيل الأهل والوطن. وصلت إلى قناعة أن المحصلة في جانبي وهو تقدير يمكن أن يكون عند الله سبحانه غير ذلك والله أعلم. فكرت بمصير زوجتي والأولاد الذين كانوا على وشك أن يصلوا إلى مرحلة الوقوف على أقدامهم كي يواجهوا الحياة لوحدهم. تركت ذلك كله لرحمة الله سبحانه وتعالى. تذكرت ما كنت أردده أمام طلبتي وغيرهم مقولة ” واحد إلى جانب الله يشكل الأغلبية”.
صورتان مثلتا أمامي وخففتا بعض التوتر عني؛ أولاهما تذكرت الإمام السجاد علي بن الحسين عليه السلام وهو مكبل بالحديد من رأسه إلى قدميه يجول في ساحة معركة كربلاء وهو مع عمته ونساء أهل البيت كسيري القلوب ورأى رأس أبيه مفصول عن جسده وأجساد إخوته وأولاد عمه وعمه ومن ناصر أباه ملقاة على رمل الصحراء مخضبين بدمائهم. وفي خضم تلك المصيبة صبر السجاد على ذلك كله فقارنت ذلك الخطب العظيم مع ما كنت فيه مع ذلك فهان علي مصابي واستثمرت ذلك الدرس لاطمئنان النفس وليس بالضرورة أن ذلك نابع من الإيمان فقط.
أما الصورة الأخرى التي مرت أمامي فهي ما حدثني به صديقي الدكتور أكرم عثمان حينما كان في إيفاد إلى جامعة السليمانية لإلقاء محاضرات في موضوع المعلوماتية والحاسبة. يقول حينما كان في قاعة الاستراحة مع مجموعة من زملائه سمع من أحد الأشخاص الذين يجلسون على طاولة قريبة وهو يردد لمن معه بأنه في حياته يتبع مسيرة فلان (يقصدني بالاسم) عندها استرق أكرم السمع فإذا بذلك الشخص طبيبا حصل بعد تخرجه على شهادة في الحقوق بعد إكماله كلية الحقوق. حينما تذكرت تلك القصة شكرت الله بأني أفدت شخصا لا أعرفه وعلى البعد.
مشكلة أخرى
كان الصندوق محكم بحيث يصعب للهواء أن يدخل إلى داخله فقررت أن أقتصد بتنفسي للحفاظ على أكثر ما يمكن من الأوكسجين لأني لا أعلم إلى متى سأبقى في هذا المخدع. المشكلة الأخرى هي أن “الجامعة” كانت ضيقة على رسغيّ ما سبب بعض التورم في الأصابع والرسغ الأيمن فاضطررت أن أُبقي ذراعي ممدودة إلى أعلى كي يقل تجمع السوائل في الأصابع ويقل احتمال حدوث الغنغرينا في الكف.
كانت في جيوبي عند الاختطاف فضلا عن الأوراق النقدية التي سلبها المختطفون أوراقا ومفاتيح وغيرها وبما أني لم أدر ماذا ينوي المجرمون من أعمال مؤذية،فقد حاولت جاهداً ويداي مكبلتان أن أفرغ كل ما في جيوبي وأخفيه خلف بطانة صندوق السيارة. فوضعت هناك حلقة المفاتيح التي تضم عشرة مفاتيح تشمل مفاتيح العيادة والبيت ومكتبي في المستشفى فضلا عن لوحة فنية معدنية صغيرة مغلفة بالزجاج ومعلقة في السلسلة قدمها لي أحد الأصدقاء، إجازة السياقة البريطانية التي كانت صدفة معي، دفتر صندوق التوفير، وكارتات شخصية لأصدقاء عديدين. وضعتها كلها خلف البطانة وتأكدت من أنها لا تحدث صوتا عند الحركة. وهناك شعرت ببعض الراحة من إنجاز ذلك حيث اعتقدت أن إخفاء تلك الحاجيات يمكن أن يقلل من احتمال توسع دائرة أعمالهم التخريبية وتحقيقهم معي!!
عند وجودي داخل “القبو” مرت على مخيلتي الاحتمالات التي يمكن أن تحدث لي وأنا في داخله. أولها يمكن أن تنتهي حياتي بانتهاء الأوكسجين في الصندوق حيث إني بدأت بالشعور بصعوبة في التنفس بعد عشرين دقيقة تقريبا منذ بدء الدخول في الصندوق. والاحتمال الآخر هو خوفي حينما سمعت قفل الصندوق يفتح ويغلق تلقائيا خمس أو ست مرات واعتقدت في حينها أن القفل عاطل وقد يصعب فتحه مما يؤخر فرصتي في الحصول على الاوكسجين اللازم وتنتهي حياتي. وهناك احتمال أن يشعر الأمريكان أو الشرطة العراقية بحالة السيارة غير الطبيعية وتبدأ ملاحقة السيارة ويحدث تبادل إطلاق النار ويقتل أو يصاب الجميع أو تنقلب السيارة ويقضى علي وأنا قابع في الصندوق.
كانت السيارة تسير في شوارع مبلطة بدون مطبات ما يدل على انها كانت تسير في المدينة وأطرافها وكنت أسمع ضجيج السيارات عند المسير.
وبعد نصف ساعة تقريبا أو أقل بدأت السيارة تهتز من وعورة الطريق الذي تمر فيه وهو طريق غير معبد أو معبد ولكن بحفر كثيرة.
وبعد خمس دقائق توقفت السيارة ثم استدارت نحو الخلف. أوقفت ماكينة السيارة وفتحت الأبواب فعلمت أننا ربما وصلنا إلى المكان الذي تقرر أن أركن اليه.



















