من قتلها؟ – جليل وادي

كلام أبيض

من قتلها؟ – جليل وادي

أخبرني ضاحكا بأنه لا يتأخر لحظة عن الذهاب الى المنفذ لاستلام راتبه كاملا دون ان يُبقي منه شيئا، بمجرد أن تصله رسالة من الشركة بأن مبلغا ماليا شحن الى حسابه على الهاتف، فلطالما يراوده هاجس ترتفع معه دقات قلبه بأن الجهات المعنية قد تتريث او قد تتوقف عن الدفع، وما أن يضع راتبه في جيبه يحمد الله تعالى ويشكره على نعمة استلامه، فهو لا يثق بان الشهر القادم سيستلمه، كل هذا يجول بخاطره بالرغم من تأكيدات المالية المتواصلة بأن الرواتب مؤمنة، ولا داعي للقلق، ملقية باللوم على مروجي الشائعات.

ألتقيته قبل ثلاثة أيام بعد استلام الراتب الذي جاء هذه المرة مبكر على غير العادة، مع ان الجميع كان يتوقع تأخره أكثر من الشهر الذي سبقه، فقلت له: ها.. ألم أخبرك بان الراتب قد يتأخر لبضعة أيام، لكنه لن يتوقف او يتأخر لأشهر كما يحدث في كردستان، فباغتني بقوله: (ماكو ثقة)، ضع مالك في جيبك واسترح، فالدنيا لا أمان فيها، وليس لدينا سوى الراتب نقتات عليه، وبسبب السياسة المالية للدولة لم يبق منه شيئا ندّخره للأيام السود التي يروج لها ضيوف الفضائيات ومواقع التواصل.

عبارة صاحبي التي تقول (ما كو ثقة) هي التي حثتني على الحديث عنها معكم، انها الثقة يا ناس، هذه القيمة السامية التي لا يمكننا العمل باطمئنان من دونها ابدا، فالاستقرار وجمال الحياة مرهون بها، لكن وكما تتلمسون ان الثقة قد تراجعت كثيرا.

وبدل ان تمضي حياتك باسترخاء صرت تتحسب غير مطمئن للآخرين، مع ان الدنيا ما زالت بخير، لكن مظاهر عدم الثقة تتسع باستمرار، وعندكم الكثير من الأمثلة: بدءا من السياسيين الذين لا يثق أحدهم بالآخر، وكل يتربص بصاحبه شرا، بينما كانا يأكلان في ماعون واحد، وتحملا الظلم سوية، وقاسوا الغربة والحصار والحروب معا، وما زاد الطين بلة التحاق المغامرين والسراق بهم، وأصبح واحدهم يتستر بأثقل الأحجار وأكبرها خوفا من غدر أخيه، وطالما الحال هكذا فلا تترجى نجاحا لعملنا السياسي، ولذلك ما عاد الناس يثقون بان العملية السياسية توصلهم الى الغد المنشود، وهذا ما نأسف له، فقد تطلعنا للرخاء بعد القحط، والعدل بعد الظلم، والاسترخاء بعد التوتر، وما زلنا نأمل تصحيح المسار، فشعبنا وبلادنا يستحقان حدقات العيون.

ليس هذا فحسب، بل ان الكثيرين لا يودّعون أموالهم في المصارف، مع انها الأكثر أمنا على المال من البيوت، يظنون ان المصارف في بعض الظروف لا تستجيب لهم اذا ما أجبرتهم الحاجة الى استرجاع أموالهم، وضعف الثقة بالمصارف ليس وليد اليوم، بل تلمسناها مذ وعينا الدنيا، وتذكرني بذاك الذي أودع ماله الذي تعادل قيمته شراء بيتين وسيارة حديثة في الثمانينيات، وبعد استرجاعه أيام الحصار تبين لا يساوي مروحة سقفية، فما ذنبه، وبعد حوادث مصارف لبنان انعدمت الثقة او كادت، لأن العراق (تلبنن) على حد وصفهم.

في اسواقنا ارتبطت الثقة (بالتقفيص)، هذا المصطلح الذي نشأ وترعرع بعد الاحتلال البغيض، فيراودك سوء الظن بان أي صاحب محل سيقفّص عليك ويبيعك البضاعة بسعر أكثر من ضعفها، وان قال لك مصلح مضخات الماء تعال بعد ساعة، فتوقع مفاجئتك بمبلغ قاس، وربما يكون العطل بسيطا، فما بالك ان عطل هاتفك وانت لا تعرف عن هذا الجهاز شيئا، تراجع الثقة جعلتنا نتحسب عند الحديث مع أقرب الناس، لذا شاعت العبارة القبيحة (ما كو ثقة).

أخطر شيء عندما تضعف الثقة بالأجهزة الأمنية، فترتجف أبدان الناس من (التايهات)، ويذكرنا البعض بسالف الأيام عندما يوصي الآباء أبنائهم بالذهاب الى رجل الأمن ان ضاع في السوق، او تعذّر على فتاة عبور شارع، طبعا هي وليدة صور سلبية متراكمة، مع ان الأداء اليوم وبلا مجاملة أفضل من السابق بكثير.

من زمن ليس بالقريب أهملنا منظومتنا الأخلاقية، ولم نعرها كثير اهتمام، مع انها ليست فطرية، بل مكتسبة من وكالات التنشئة الاجتماعية. مَنْ يعيد الثقة، وكيف نعيدها؟، هذا ما يجب أن نفكر به، وعلى السياسيين الحاليين والسابقين أن يجيبوا عن سؤالي: من قتل الثقة، وهل تُبنى الدول بتراجعها او انعدامها؟.

jwhj1963@yahoo.com