من الهوية الانثوية إلى النسويات

أحببت حماراً لرغد السهيل

من الهوية الانثوية إلى النسويات

 الغفارالعطوي

القاصة والروائية العراقية  رغد السهيل اصدرت روايتها الاولى (احببت حماراً) عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر الطبعة الاولى 2015 بيروت  تناولت فيها  الهم الانسانوي عبر حكايات لنسوة يجمعهن خيط واحد رفيع يتمثل بـ(الهوية الانثوية) التي تفسر و تنمط تصرفات الكاتبة من منظار فعل الكتابة فيما إذا كانت جملة حكايات او رواية متعددة الاصوات او سير ذاتية مسجلة إكلينيكياً ، او تقوم سلوكيات نسوة الرواية بطرح إشكالياتهن امام القارئ ، الاستاذة امل او ليلى  او الخاتون او فهيمة او لطيفة او ام صابر او ام مظلوم ،وتذهب الكاتبة الى مشاركة فعالة للقارئ معها في معاينة افعال تلك النسوة في بيئة متوترة ( بغداد الان)عبر تقنيات الملف و الكتابة خارج الكتابة الروائية  في تأطير ان ما تكتبه البطلة ( الدكتورة امل) هو الذي تؤشره الكاتبة ( رغد السهيل) كي نتصور اننا امام عرض تفصيلي لرواية البطلة من قبل الكاتبة وفق اظهار حلحلات الهوية الانثوية و نشرها  في عالم يحتدم فيه الصراع بين الانوثة و الذكورة كحلقة من حلقات الحروب الدائرة بينهما

1- عتبتا الرواية هما الايقونة التي تفتح عالم الكتابة على مصراعيه  الانثى المقهورة و الذكورة المستبدة ، فعتبة فرجينيا وولف  التي تذكر بان مستقبل الرواية يعتمد بتعليم الرجال على الخطاب الحر للمرأة تقف الى جانب عتبة القصائد السومرية التي تندب الحظ العاثر لمدن العراق القديم ، و بهذا نفهم ان الاشارة واضحة ان الذكورة المهيمنة على مقدرات الارض هي التي تعيث في الارض الفساد و تجلب الخراب الى الديار ، و إن تفضيل النساء محبة الحمير على سبيل المثال( الدكتورة امل) هو مشروع تهكمي و كناية ساخرة على مدى بؤس ما توصلت اليه حالة الشد و الجذب بينهما ، ولآن تأكيد الكاتبة عبر راويتها إضافة لخروقاتها اللاسردية عن العداء الخفي المبطن للرجل ليس لانه كذلك يستخدم فحولته و سلطته الابوية ، بل هو يقطع الحرث و النسل و يثير الحروب و البغضاء و الكوارث كانت الرواية التي كتبتها ( الدكتورة أمل) و ارسلتها لل( خاتون) دليل دامغ على شدة احتدام الوطيس في الاساءة لهوية (الانثى) و ردة فعلها من خلال الكتابة حيث كتبت الخاتون : العزيزة دكتورة أمل—قرأت روايتك ( أحببت حماراً) اشكرك لنشرك للملف ، لقد فقدته قبل الانتهاء منه ، و لآني لا أجيد السرد كنت ساسلمه الى اية  كاتبة لها قراءتها الخاصة ص 279 وتعتقد  الخاتون التي هي وجه من وجوه الانثى المستباحة ان حصول (الدكتورة امل) على الملف قرب بسطة  زكي  القتيل صاحب الحمار الشهير في بغداد يعكس انتصارا جيدا ، لآنها كانت على كل حال ستبعثه لاية (كاتبة) تمتلك قراءة انثوية (خاصة) و هو يعني رجحان كفة المرأة | الانثى داخل الكتابة على حساب رجحان كفة الرجل | الاب  خارج الكتابة ، ذلك الشبح الذي على ما يبدو  إنه قد تراجع في جميع حكايات النسوة  مستقراً في الهامش يمثل الشيطان الشرير الذي اباح لنفسه امتلاك ناصية العالم  ، وعليه أشرت العتبتان و رسالة الخاتون الى الكاتبة الاصلية الدكتورة امل نحو اللون القاتم الذي ابرزته رغد السهيل  الحكاءة و المنتجة لحكايات نسوتها و القارئة الحاذقة ، و تختصر الكاتبتان (رغد و|أمل) اصل وجوهر الصراع في مقدمة سردهما للرواية :احببت حمارا – – – هذا ما قلته للجنة التحقيقية ، وما أكدته لهم في مستشفى الامراض العقلية ايضا ، وهو كل الحقيقة ، لم أكذب لكن  – – ص 9 وتسردان حكاية  زكي وحماره وما حصل لهما حينما قتل الاول ، أصابته ثلاث رصاصات  قدام بسطته في الحي الذي تسكنانه و يصبح الرقم 9 عام2006 في عداد المغدورين الذي اكتسب الاسم في مثلث الموت، وهام حماره المميز على أثر الجريمة في مناطق بغداد و هي تهتز بانفجارات و تكتظ بالجنود والملثمين والقتلة ، لنجد إن الصوت المختلط (الكاتبة و امل) يتقدم حثيثاً الى القارئ في محاولة لايقافه عن الضحك (أيها القارئ توقف عن الضحك رجاء ، و لا تستهجن العبارة ، وهل لديك ما تستهجنه ؟!رغم إنني استهجنت ما قرأته في الملف ، إنها قصة او رواية او حدث ما ، لم يحدث وربما حدث على هذه الصفحات الخ ص 13 و تبدو العبارات خروجا ً للكاتبة عن نص الرواية الذي لم يتوضح بعد أكان في الملف ام في رواية امل ام  في رواية رغد ؟! لكننا نلحظ ان استعانة الحكاءات جميعهن بالقارئ  يدل على انفتاحهن على عالم التوقعات ، الذي يثريه عالم القراءة الفسيح، وقد اعتمدت عليه الكاتبة و هي تستخدم تعدد الاصوات الانثوية التي تناصب ذكورة العالم المتشظي العداء في بيئتها المتفجرة و هي تحاول تأثيث بغداد في منظورها الجديد حيث البحث هن حمارها المفقود في مناطق مزدحمة بالانفجارات ، مأهولة بالموت والقتل العشوائي، وهي تبحث اي الكاتبة (أو ربما أمل من يدري؟) عن البديل الانساني في الجامعات والمستشفيات وحديقة الامة ومواقف الاشارات المرورية ،التي يهيمن عليها الرجل بظله الشبحي تاركاً مشاعره لحمارها الابيض الجميل  الهارب من وحشية الرجل ، و ليس سخرية الحكاءات من استبدال المشاعر الا امراً طبيعياً و هي ترى ان اولى ضحايا هذا التأثيث السردي الجديد هو شكل الهوية التي تنطوي عليها فكرة الانتقال من قراءة هوية الانوثة الى هوية المرأة ، لان حكايات النسوة اجمعهن تلتقي في مجرى جرح الهوية الانثوية و هن بدورهن يقمن بتعديل الجرح الى الانطلاق في رفض اساليب الرجل حتى في مشاريع الطيران الفضائي الخيالي (الخيال السردي في الحكايات اوسع من خيال القراء الكتابي) وملاحقاته لهن في كل فج ، و عليه سرت رغبة (الدكتورة أمل) في وصف عالم (الحمير) بانه العالم الابهى من عالم الرجال البشع ، و إن (الهوية الانثوية ) تتناسب مع الانسانوية التي استطاعت ان  توظفها لصالح إقناع القارئ (الحكاءة لم تميز بين القارئ و القارئة !) في نماذجها في الرواية

2- من هنا كانت فكرة خروج الكاتبة على النص (الميتافكشن) والمونولوجات الطويلة لها في حمى التجوال وحركة الجري وراء الحمار الابيض الذي يرتدي اليشماغ ، وإعتماد المشهدية في حكاية امل وفهيمة وما جرى لها مع اخوتها و جنون لطيفة و تصرفاتها الغريبة من رمي الحجارة على الرجال الصلع  دون مبرر ، و التعطر مع الثياب الرثة  الخ هي السمة الاوفر في مسألة الانتقال بالرواية من التمركز حول (الهوية الانثوية) نحو التشظي و التجذذ في (النسويات)  وتبدو مقاصد الكاتبة في تعمد نشر فوضى الهويات المجروحة لنسوتها في الرواية هو الاشارة الى بيداغوجيا الكتابة  الساخرة حيث تؤكد في مونولوج طويل  على بؤرة الازمة في كل سير تلك النسوة و أثرها الايجابي في الوصول الى حلول فيما يتعلق بمسألة الانتقال السلس من مركزيةالحكاية الى هوامش الخطاب حيث تقول  (هذه الخاتون أشبه بظلي ، لا خلاص منها ، لتهذر ما تشاء!قررت بعدها الاعتكاف واعتزال العالم الخارجي ، وبدأت ابحث عن حماري بطريقة اخرى ،   استخدمت الحاسوب ، بحثاً عن اشكال الحمير و صورهم في بغداد ص 236) حيث الخاتون هي نمط من انماط الحكاءات التي تشترك في كتابة رواية (أحببت حماراً) وساعدت في ايصال الملف ، الملف الذي سقط عند مكان مقتل زكي و شكل بؤرة رواية امل، لنجد ان هذه الرواية لم تستعرض حكايات ام مظلوم وام صابر و هيلة و فهيمة و لطيفة فحسب بل انتقدت ثقافة الاستلاب الفحولي إزاء ثقافة تهشيم فكرة النسويات ، فكان الخطاب الروائي موجها نحو بيان الصراع بين (حمارية) الرجل و إنســــانوية الانثى.