أستعيد الذاكرة كما لو أنها مشهد سينمائي ثابت لا يبهت. يوم الخميس كان يوماً عائلياً بامتياز. الأب يقود العائلة كلها إلى السينما، لا استعجال ولا توتر، وكأن المدينة نفسها تعرف أننا ذاهبون للاحتفال بالحياة. عند شباك التذاكر كان الطلب واضحاً: اللوج العائلي. مساحة صغيرة محاطة بأربعة حواجز خشبية، لا يتجاوز ارتفاعها تسعين سنتيمتراً، تضم أربعة أو خمسة كراسٍ، لكنها كانت كافية لتمنح العائلة شعور الأمان والخصوصية والاحترام. لم يكن اللوج عزلة، بل اعترافاً اجتماعياً بحق العائلة في الترفيه دون خوف. بعد السينما، قد نمر على كازينو نهري أو يخت سياحي صغير، حيث تختلط العائلات بالضوء والماء والضحك، أو نتجوّل في الأسواق فنرى فتيات يتبضعن مع أمهاتهن أو أخواتهن، دون نظرات فاحصة، دون همسات، ودون يدٍ تمتد أو صوتٍ يجرح. كان ذلك طبيعياً إلى درجة أننا لم نكن نحتاج إلى تسميته فضيلة.
من هذه الذاكرة بالذات تبدو صدمة الحاضر أكثر قسوة. ما جرى في ليلة رأس السنة في كورنيش البصرة، وما تزامن معه من اعتداءات وتحرّش جماعي في مدينة الموصل قرب منصّة الاحتفالات، ليس انفصالاً عن الماضي بل انكساراً عنه. حين تُقذف سيارات عوائل بالحجارة، وتُطلق عبارات مهينة في فضاء عام، وحين تُحاصر عائلة لأنها خرجت لتحتفل، فنحن لا نشهد فقط سلوكاً عدوانياً، بل انهياراً في المعايير التي كانت تضبط العلاقة بين الرجل والمرأة، وبين الفرد والمكان العام.
في العمق، ما يحدث هو نتاج بنية اجتماعية ذكورية لم تُعالَج بل أعيد تدويرها بأشكال أكثر عنفاً. المرأة اليوم تُستدعى في الخطاب الرسمي والإعلامي كرمز للحداثة، كصورة تزيينية لديمقراطية مشوّهة، لكن وجودها الحقيقي في الشارع ما زال مرفوضاً في اللاوعي الجمعي. هي مقبولة ما دامت صامتة، غير مرئية، أو محاطة بمبررات. أما حين تظهر كذات مستقلة، تحتفل أو تتحرك أو تشارك الفضاء العام، فإنها تتحول فجأة إلى متّهمة. هكذا يصبح التحرش، في ذهن المعتدي، وسيلة لإعادة فرض السيطرة، لا فعلاً إجرامياً.
يتضاعف هذا العنف الرمزي مع الغياب شبه الكامل للثقافة الجنسية في المجتمع العراقي. من البيت إلى المدرسة فالجامعة، هناك صمت ثقيل حول الجسد والحدود الشخصية ومعنى الرغبة والاختلاط. هذا الصمت لم يخلق أخلاقاً كما يُتوهَّم، بل خلق فراغاً معرفياً تملؤه تفسيرات دينية خاطئة، وخطاب شرف مختزل في جسد المرأة، ومحتوى رقمي مشوّه يُستهلك في الخفاء. في ظل هذا الفراغ، يتحول الاحتفال إلى تهديد، والمرأة إلى رمز للفتنة، والشارع إلى ساحة صراع.
ثم يأتي المشهد الأكثر فجاجة: تجريم الضحية. السؤال الذي يُطرح بعد كل حادثة ليس: من اعتدى؟ بل: لماذا خرجت المرأة؟ كيف سمحت لنفسها أن تكون هناك؟ هنا تظهر متناقضة منطقية تفضح خللاً أخلاقياً عميقاً؛ فبدلاً من محاسبة الجاني وتفعيل القانون، يُعاد ترتيب الواقع بحيث تُدان الضحية وتُبرَّأ الجماعة. هذا النمط يجد تفسيره في علم النفس السلوكي، وتحديداً في نظرية التعلم الاجتماعي لدى ألبرت باندورا، حيث يتعلم الأفراد السلوك من خلال الملاحظة. حين يرى الشاب أن المعتدي لا يُعاقَب، وأن المجتمع يبرّر، وأن العُرف يتقدم على القانون، فإنه يتعلم أن التحرش سلوك مسموح، بل مفهوم، وأن اللوم سيوجَّه دائماً إلى الطرف الأضعف.
الأمر لا يتوقف عند الخطاب، بل يتكرّس عملياً حين يُفرَّغ القانون من محتواه لصالح الأعراف العشائرية. تُحلّ القضايا باسم “الستر”، وتُختزل الجريمة في تفاوض اجتماعي، فتُجرَّم المرأة باسم السمعة، ويُبرَّأ الرجل بتأويلات دينية مبتورة. هكذا يُشرعن العنف، ويُقصى مفهوم المواطنة، وتُستبدل الدولة بجماعة، والقانون بعُرف، والعدالة بتوازنات قوة.
المفارقة المؤلمة أن المجتمع الذي كان يعتبر التحرش جريمة أخلاقية في السبعينات والثمانينات، بات اليوم يتعامل معه كحدث يُصوَّر ويُتداول على وسائل التواصل. ما كان مرفوضاً بالصمت الجمعي، صار يُستباح بالتصوير والتبرير. وهذا التحول لا يمكن فصله عن عقود من الحروب، والقمع، وتفكيك مؤسسات الدولة، وتراجع التعليم، وصعود خطاب ديني واجتماعي يختزل الأخلاق في السيطرة لا في المسؤولية.
الخروج من هذا الانحدار لا يكون بالحنين وحده، بل بالفعل. يحتاج إلى بدء مبكر من الطفولة، إلى أسرة تكسر الصمت، ومدرسة تعلّم معنى الجسد والحدود، وجامعة تعيد تعريف الثقافة الجنسية بوصفها معرفة لا عيباً. يحتاج إلى إعلام لا يبرّر، وإلى مؤسسات مجتمع مدني تنزل إلى الميدان، وإلى حزم حقيقي من الأجهزة الأمنية في تطبيق قوانين التحرش دون مساومة. قد لا يردع شباب اليوم إلا القانون الصارم، لكن جيل 2036 ثم 2046 لن يتغير إلا إذا بدأنا الآن.
التحرش لم يكن يوماً جزءاً من هوية المجتمع العراقي، بل نتيجة مسار طويل من التشوّه. واستعادة تلك الذاكرة القديمة، ذاكرة اللوج العائلي والسينما والكازينو النهري والأسواق الآمنة، ليست بكاءً على الماضي، بل تذكيرٌ بما يمكن أن يكون عليه المستقبل، إذا قررنا أخيراً أن نحمي الفضاء العام من العنف، لا أن نحمّل الضحية وزر وجودها فيه.



















