
مصادر القوة والسلطة في العراق
من الأقوى المهيّمن على المشّهد؟ – منقذ داغر
عبر 18 مقال سابق حاولت تحليل مصادر القوة الأجتماعية الرئيسة (الآيدلوجيا،الأقتصاد،السلاح والسياسة) في العراق منذ تأسيسه مع تركيز أكبر على الواقع الحالي. وللتذكير فأن تعريفي للقوة هو أنها القدرة على جعل الآخرين يفعلون أشياء ما كانوا ليفعلونها بدون وجودها. والقوة هنا لا تقتصر على السلطة القانونية بل تتعداها الى كل أشكال القوة القهرية أو التعاونية،والرسمية وغير الرسمية،والخاصة أو العامة. أن أساس الأهتمام بتحديد مصادر القوة،ومن ثم القابضين عليها في أي مجتمع ينبع من الدور المحوري الذي تلعبه القوة Power في أي مجتمع. أن علينا هنا أن نتذكر أنه في عصور ما قبل الأجتماع البشري حيث كان الأنسان يعتمد على جمع الثمار والصيد ضمن عوائل صغيرة غير ممتدة ومنعزلة عن بعضها البعض،لم يكن هناك تفاعل أجتماعي لعدم وجود تجمعات بشرية كبيرة. وحينما بدأ الأجتماع الأنساني(غالباً في مناطق ما بات يعرف بجنوب العراق حالياً) كان الناس متساوين ولم يكن هناك تفوق،وبالتالي قوة،لأي مجموعة على الأخرى. لكن مع تطور الحياة والتفاعل بين الناس وظهور الزراعة التي ضاعفت من الأنتاج وتباين الثروات،ومع أختلاف نوعية وحجم الأراضي التي تمتلكها كل مجموعة من حيث الخصوبة ووصولها للماء وبالتالي أنتاجها، ومع بدء الحاجة للتبادل السلعي والتجاري بشكلها الأولي،بدأت النزاعات والحروب تظهر، ورافق ذلك ظهور طبقات أجتماعية غير متساوية القوة والتأثير،وبالتالي ظهورالنخب الأقتصادية والعسكرية وحتى السياسية. تكفي الأشارة هنا الى أن أول دولة -مدينة City state عرفتها البشرية كانت (أوروك أو الوركاء).ولم يكن لأوروك ملك في بداية تكوينها،رغم أنه كان لديها معبد ورجال دين. لقد ظهر أول ملك موثق لأوروك (الملك إنمركرحوالي 2700 ق.م) بسبب حاجة المدينة لقائد عسكري يقود جيشها الذي شكلته ليخوض المعارك مع المجموعات الأجتماعية المجاورة في مدينة (أراتا) حسب النص التاريخي. بالتالي كان لهذا القائد قوة أو سلطة مؤقتة تنتهي بأنتهاء الحرب وحل الجيش. ثم تطورت تلك السلطة المؤقتة لتصبح دائمة بعد أن أستمرت الحروب والنزاعات العسكرية. بمعنى أن القوة العسكرية(بحسب المفهوم الذي تم تبنيه في هذه السلسلة) سبقت ظهور القوة السياسية. وأن قوة المعبد (الآيدلوجيا) وقوة الأقتصاد(الزراعة والتجارة) سبقتهما في الظهور التاريخي لأنهما شكلا أساس الأجتماع البشري في المدينة. وهكذا نفهم أن التفاعل،والتغيير،والصعود أو التدهور الأجتماعي لا يحصل الا من خلال القوى الأجتماعية الأربعة التي كانت مسؤولة عبر التاريخ عن كل ما حصل فيه،كونها-أي القوى الأجتماعية الأربعة- الوسائل التي يتم بلوغ الغايات الأنسانية من خلالها.
تطور انساني
أن من المعلوم تاريخياً أن الوسائل كانت دوماً أهم من الغايات في تحديد التفاعل والتطور الأنساني. فحتى في النص القرآني كانت الوسيلة،أهم من الغاية من خلق الأنسان أبتداءً. فالأنسان الذي خُلق ليعبد الله(الغاية) أختلف عن بقية من يعبدون الله ،من ملائكته، بالوسيلة رغم أشتراكه معهم في الغاية(العبادة). « وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلـــَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ«. وهكذا فأن الغايات الكبرى في الحياة الأجتماعية عموماً لا توجد خلافات كبيرة حولها. فالكل يريد معيشة وحياة أفضل،مثلاً،لكن المشاكل والأختلافات تبرز عند تحديد الطرق والوسائل المؤدية للحياة الأفضل.
فهل هي عن طريق التركيز على الحاجات المادية مثلاً،أم التركيز على الحاجات النفسية والأجتماعية للأنسان،أم مزيج بين الأثنين؟ من هنا تبرز أهمية دراسة وتحليل علاقات القوة الأجتماعية كونها الأداة الرئيسة للتفاعل الأجتماعي وبلوغ الغايات.
لقد طورّت هذه التفاعلات الأنسانية والأجتماعية،كما أسلفنا،أربع مصادر للقوة الأجتماعية تباينت في هيمنة وسيطرة أحداها على الأخرى الظروف السائدة عبر التاريخ والجغرافيا. فمثلاً كانت القوة العسكرية هي المهيمنة في مراحل قبل الميلاد،وبرزت الأديان(الآيدلوجيا) لتسيطر على الحراك الأجتماعي بعد ذلك،وهكذا فعلت القوة الأقتصادية بعد عصر الصناعة.كما كان للقوة السياسية أهمية كبرى بعد أختراع الدولة الوطنية Nation state في أعقاب قرون من التنازع الحربي بين ممالك وأمبراطوريات أوربا. لكن عبر التاريخ كانت كل المصادر الأربعة مرافقة لبعضها البعض دوماً مع تفوق لواحدة منها(أو أكثر) بحسب الظرف التاريخي والجغرافي. فمثلاً هيمنت القوة السياسية المؤدلجة في الدول الشمولية (كالأتحاد السوفيتي والعراق سابقاً) على كل مصادر القوة الأجتماعية الأخرى. وفي الدول الرأسمالية الليبرالية مثل أميركا كان للقوة الأقتصادية تفوق واضح على القوة السياسية والعسكرية والآيدلوجيا. في حين كان للآيدلوجيا(الدين) تفوق واضح على بقية القوى في عصور أوربا قبل التنوير حينما كانت الكنيسة هي المحرّك الأساس للحياة الأجتماعية.
وبما أن القوى الأجتماعية بحسب تعريفنا لها (يجب) أن تكون لها أشكال مؤسسية:كالدولة،بالنسبة للقوة السياسية ،أو المؤسسة الدينية أو الأحزاب،بالنسبة للقوة الآيدلوجية،أوالجيش والميليشيات بالنسبة للقوة العسكرية،أو المؤسسات والشركات بالنسبة للقوة الأقتصادية،فأن القاعدة الأساسية هي وجود توازن فعّال بين تلك القوى في أي مجتمع كي لا يتم أحتكار القوة من قبل مؤسسة واحدة فقط. لقد جرّب العالم،وما زال يجرب، المشاكل التي حصلت سواء داخل الدول أو على المسرح العالمي ككل حينما سيطرت قوة واحدة على كل المشهد! وحينما قال «فوكوياما» أننا نشهد نهاية التاريخ بعد أن سقط النظام،فأنما عبّر عن رؤيته لسقوط آخر مُعادِل آيدلوجي وأقتصادي للرأسمالية التي أنفلتت من عقالها لتهيمن على معظم أنحاء العالم بعد ذلك.
هيمنة النخبة
إن سيطرت واحدة من القوى الأربعة لا تؤدي فقط الى أضعاف القوى الأخرى،بل الى هيمنة نخبة قليلة على باقي طبقات وفئات المجتمع. فحينما تطغى القوة الأقتصادية على باقي القوى،كما هو حاصل في الولايات المتحدة اليوم،فأن طبقة من المليارديرات وأصحاب المؤسسات العملاقة (ماسك،بل غيتس…الخ) ستتضاعف قوتهم الأجتماعية الى الحد الذي يستطيعون فيه التأثير في كل القرارات المصيرية للدولة. وحينما تتضاعف قوة السلاح(القوة العسكرية) في بلد مثل أيران فأنه يعطي للعسكر عُلوية سلطوية على بقية القوى الأجتماعية،بما فيها القوة الآيدلوجية التي هيمنت لعقود على القوى الأخرى في المجتمع.
والسؤال الذي يهمنا الآن: في ضوء الحلقات الثمانية عشر السابقة التي حللنا فيها كل القوى الأجتماعية في العراق،فهل هناك قوة اجتماعية (أو أكثر) مهيمنة على المشهد العراقي أم أن هناك توازن في قواه الأجتماعية الأربع؟ وماهي تداعيات ذلك؟















