من إختار الشاعر ليكون أميراً للصعاليك؟ – اضواء – حنان النعيمي

كتاب الحصيري وكأس القصيدة

من إختار الشاعر ليكون أميراً للصعاليك؟ – اضواء  – حنان النعيمي

عبد الامير الحصيري ظاهرة شعرية متفردة وشخصية أنسانية متميزه، حاول مؤلف الكتاب (رزاق ابراهيم حسن) الوقوف عند جوانب مهمة ومحطات مضيئة في مسيرته، ليبين للقارئ العلاقة بين الشعر والحياة يمزج هذا التداخل والتجانس بين السيرة الذاتية وشاعرية الشاعر، فالأبداع لا يأتي من فراغ ولا ينعزل عن واقع الحياة، أن أنغماس الشاعر برومانسيته يخلق عنده التفاعل ويبني فيه الأحساس بالأخرين يتلمس الحقائق ويصبها في بودق الشعر لتكون القصيدة (النتيجة) الأخيرة لكل الآندماجات والتفاعلات الحياتية.

 لم يكن (الحصيري) شاعراً كبقية الشعراء، أنه طاقة شعرية كبيرة، كان محور جدل وتساؤل لدى الكثيرين هو مجموعة تناقضات شكلت شخصية وأوجدت تفرداً وولدّت ابداعاً لتكون المحصلة الشاعر الأمير الحصيري لقد بقي على أمتداد سنوات وأعوام مّعلم من معالم بغداد وأثراً واضحاً يعرفه الصغير والكبير فهو من أبرز شعرائها، أحب بغداد وتغزل بها، عشق شوارعها، ومقاهيها، وحاناتها، مارس عشقه، بأزدواجية وفوضوية كما عهده الجميع هو (أمير الصعاليك) فيه نوع من الاندماج والامتداد المتواصل بينه وبينهم حتى انه أطلق على احدى مجموعاته الشعرية عنوان (مذكرات عروة ابن الورد) كان في تصرفاته وحياته يميل اليهم، فالحرية والتشرد الذي مارسه في مقاهي وحانات بغداد كان نوعاً من التلذذ والسخرية بهذه الحياة وفي ذات الوقت هو درجة من درجات الرقي في شعره اكتشفها عبر هذا الأهمال واللامبالاة لحقيقة ومعنى الحياة.

أستقى المؤلف مصادر الكتاب من معرفته الشخصية بالشاعر، فهو من أصدقائه المقربين، عايشه في مراحل طويلة من حياته وحتى وفاته، تلك العلاقة أضفت صبغة بارزة رسمت واحاطت بتفاصيل كثيرة عن حياة هذا الشاعر فقدمه عبر فصول (ثمانية) ورسم له صورة شعرية أغنت القارئ بمعلومات وتفاصيل يجهلها الكثير فرصده في أماكن تواجده ودرس العوامل التي أثرت فيه، تناوله من خلال رؤية اصدقائه وعلاقتهم به  أستقصى وبحث ودرس صلته بالأدباء والنقاد الذين يعدونه شاعراً لا يستهان به فالدكنور (عبد الآله الصائغ) يرى قي قصائده تمكناً متفرداً في أمتلاك أدوات شعرية، هو يضعه مع رعيل (عمر ابي ريشة) ولا يختلف عنهم الا في فارق العمر.

أن رؤية (عزيز السيد جاسم) للحصيري تقترن بالتحدث عن الشعر بلغة الشعر، فهو يتعامل مع الشاعر باخلاقه وما يختلج بداخله، ويضيف ان سلوك ذلك الشاعر المرهف العبقري الصبي الوحيد في اولمبياد الحركة، لقد كأن من فرط انتمائه الى البساطة الساحرة الأسّرة ما يدعوك الى تصديقه وتكذيبه في آن واحد، هو انسان بسيط واقعي، أعتيادي واحياناً مهمل لكنه ذكي وذو لمحة ماكرة لم يعرف فيه علاقة عاطفية مع أمراة معينة لكنه كرس قصائد كثيرة لهذا الغرض الشعري، يمثل (الخمر) الموضوع الأساس في شعر (عبد الامير الحصيري) فكان يتسرب الى جميع قصائده ويضع بصماته، على صورها  ومفرداتها ولا يرجع ذلك لقصور ثقافته الادبية فقد عرف عنه الأطلاع الواسع على الشعر العربي وحفظ الكثير من عيون هذا الشعر وتميز بعلاقاته الواسعة مع شعراء للقصيدة الحديثة ووعيه ببناء واسرار هذه القصيدة.

ما عرف عن الشعر انه ظاهرة تكسّب للشعراء من خلال أغراضه المختلفة كالمدح والرثاء، الا ان شاعرنا مارس بيع قصائده لشعراء آخرين لا يملكون مقدرته الشعرية مقابل (المال)  فكانت تجري اتفاقات مالية بين (الحصيري) وبين الشاعر المدعي او المنتحل، كما ان العدد الاكبر من قصائده ضاع او فقد بسبب ادمانه على شرب الخمر. بقي ان تقول ان (عبد الأمير الحصيري) بثقافته الشعرية قدم لنا القصيدة العربية الكلاسيكية واحاط بالقصائد الحديثة، فالكلاسيكية في رايه تكمن في المحتوى والتعبير القديمين وليست فقط في القافية والوزن.

برع المؤلف في تقديم شخصية متجددة لا تتكرر دائماً فهو شاعر لا يشبه الشعراء وانسان لا يماثله الآخرين فالغرابة والتمرد والمزاجية صفات لازمت الشاعر وميزت شخصيته وخلقت منه إنموذجاً  ابداعياً يفترض ذكره دائماً وعدم نسيانه ابداً.