
في مشهد يبدو عاديًا على سطحه، لكنه صادم في عمقه، يضمّ المنتخب العراقي لكرة القدم اليوم عددًا من اللاعبين الذين يحملون الجنسية السويدية، نشأوا وتدرّبوا هناك، حتى إن بعضهم يتحدث السويدية فيما بينهم داخل المعسكرات. من أبرز هؤلاء: حسين علي، أمير العماري، ريبين سولاقا، كيفن يعقوب، دانيلو السعيد، منتظر ماجد، آلان محي الدين، باشانغ عبد الله، وأندريه السناطي.
ليس في ذلك ما يُلام عليه اللاعب، بل هو نجاح يُحسب له. لكن السؤال الحقيقي: ماذا يعني ذلك للعراق؟
جاء هذا النقاش بالتزامن مع فوز المنتخب العراقي على نظيره البوليفي بنتيجة (1-0)، في مباراة دولية ضمن الاستعدادات والمنافسات المرتبطة بأجندة الفيفا الدولية لعام 2026، والتي أُقيمت في المكسيك. فوزٌ أعاد شيئًا من الثقة والفرح إلى الشارع العراقي بعد سنوات من الإحباطات.
وبهذه المناسبة، نتقدم بأحرّ التهاني إلى الشعب العراقي، الذي ما زال يبحث عن لحظة فرح صادقة وسط كل هذا الركام. هذا الفوز ليس مجرد نتيجة، بل رسالة أمل بأن العراق ما زال قادرًا على النهوض، ولو من بوابة الرياضة.
لكن خلف هذا الفرح، تقف حقيقة أعمق: العراق الذي يُنجب، لكنه لا يحتضن. العراق الذي يصدّر أبناءه، ثم يستعيدهم بعد أن تكون دول أخرى قد استثمرت فيهم، ووفّرت لهم ما عجزت عنه مؤسساته.
حين يرتدي هؤلاء اللاعبون قميص العراق، فهم يحملون القلب والانتماء، لكنهم أيضًا يحملون قصة أخرى… قصة بيئة صنعتهم خارج الوطن. وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: هل كُتب على الكفاءة العراقية أن تُثبت نفسها في الخارج أولًا، لتُعترف بها في الداخل لاحقًا؟
ليست الرياضة وحدها من تعاني هذا النزيف. في العلم، في الأدب، في كل مجال، تتكرر القصة ذاتها: عقول تُهاجر، ومواهب تُصقل في الخارج، بينما في الداخل تتراجع معايير الكفاءة لصالح معايير أخرى.
إلى متى يبقى خير العراق لغير العراق؟
إلى متى يُولد الجيل العراقي في بيئات لا تشبه الرافدين، فقط لأن الدولة منشغلة بتأمين الولاءات بدل بناء الإنسان؟
المنتخب العراقي اليوم يمنحنا فرحًا حقيقيًا… لكنه في الوقت ذاته يضعنا أمام سؤال أكبر:
هل سنبقى نحتفل بالنتائج، أم نواجه الأسباب؟



















