منايانا ودولة آخرينا – مقالات – عبد اللطيف الموسوي
“ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة” تلك صرخة مدوية أطلقها الامام الحسين في صحراء كربلاء في خطبته الثانية في واقعة الطف.
صرخة قــــــطع بها الــــــشك باليـــــــقين ليؤكد بها أن الســــيف هو الذي سيحكم بين الفريــــــــقين إذ لم يكن أمامه من خيار مقبول آخر وقد خيروه بين الموت أو المبايعة بعد أن تيقنوا بأن النصر في ساحة المعركة سيكون لهم بسبب الفارق الكبير في العدة والعدد بين الفريقين.
كانت صرخة سمعها انصار الحسين وأهل بيته وتقبلوها برحابة صدر وقد قدموا بصدورهم نحو الشهادة غير مبالين إن وقعوا على الموت أم وقع عليهم.
ولم يكن أمام الحسين من خيار لأنه كان يرى ان الله سبحانه وتعالى لايريد لآل بيت النبي الكريم الذلة فقال” هيهات منا الذلة ويأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون, وحجور طابت وطهرت, وأنـــــوف حمية ونفوس أبية من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكـرام الا واني زاحـــــف بهذه الأسرة على قلة العدد وخذلان الناصر”.
كان الحسين يدرك انه في ذلك النهار مقتول لامحالة وإن الدولة قد ذهبت بمشيئة إلهيه لسواه فانشد أبيات فروة بن مسيك المرادي:
فان نهزم فهزامون قدما
وإن نهزم فغير مهزمينا
وما إن طبنا جبن ولكن
منايانا ودولة آخرينا
فقل للشامتين بنا افيقوا
سيلقى الشامتون كما لقينا
إذا ما الموت رفع عن أناس
بكلكله اناخ بآخرينا
لكن الدولة التي تحدث عنها لن تكون طويلة العهد بأهلها وهي نبوءة قد تحققت في مابعد إذ تشتت شمل قاتليه وتفرقوا ودارت عليهم الدوائر وهاهو الحسين يخاطبهم قائلاً” أما والله لا تلبثون بعدها الا كريثما يركب الفرس حتى تدور بكم دور الرحى, وتقلق بكم قلق المحور, عهد عهده إلى أبي عن جدي رسول الله “.
لكن موعظة الحسين لم تجد نفعاً مع أناس قد غرتهم الدنيا وهي دار الغرور فباعوا آخرتهم لقاء حفنة من الدراهم لم يقبضوها في ما بعد. أجل لم تؤثر فيهم خطبة الحسين الثانية كما هو شأن خطبته الاولى, فقد صموا آذانهم وكإن فيها وقراً الا من رحمه ربه مثل الحر الرياحي الذي لم يلبث أن تحول الى معسكر الحسين كاشفاً عن صدره بوجه الموت وهو الامير في جيش عمر بن سعد.
كان الحسين يدرك ان منيته ومنايا أصحابه قد دنت، لكنه لم يأل جهداً في تقديم النصح والارشاد ممارساً دوره بوصفه إماماً وسبط النبي فبادر الى وعظ القوم في خطبته الاولى وأصر على أن يسمعوه بعد أن رفضوا الانصات اليه وكانوا قد أحاطوا به من كل جانب حتى جعلوه في مثل الحلقة “فخرج الحسين من أصحابه فأتاهم فاستنصتهم فأبوا ان ينصتوا فقال لهم : (ويلكم ! ما عليكم ان تنصتوا إلي فتسمعوا قولي! وانما ادعوكم إلى سبيل الرشاد ! فتلاوم أصحاب عمر بن سعد.)
وقالوا : أنصتوا له فقال: تبا لكم أيتها الجماعة وترحا ! أحين استصرختمونا والهين, فأصرخناكم موجفين سللتم علينا سيفا لنا في أيمانكم وحششتم علينا نارا اقتدحناها على عدونا وعدوكم فأصبحتم ألبا لأعدائكم على أوليائكم, بغير عدل أفشوه فيكم ولا أمل أصبح لكم فيهم” لكنهم لم يلتفتوا الى موعظة الحسين وتأكيده بألا أمل يرتجى من وراء قادتهم محذراً إياهم من قتله وهو امر كان قد ذكره في خطبته الاولى في يوم عاشوراء التي حاول خلالها توعية القوم الظالمين وإلقاء الحجة عليهم بقوله:
(الحمد لله الذي خلق الدنيا, فجعلها دار فناء وزوال متصرّفة بأهلها حالاً بعد حال فالمغرور من غرته, والشقي من فتنته فلا تغرنّكم هذه الدنيا فإنّها تقطع رجاء من ركن إليها, وتخيب طمع من طمع فيها، وأراكم قد اجتمعتم على أمر قد أسخطتم الله فيه عليكم، وأعرض بوجهه الكريم عنكم, وأحلّ بكم نقمته, وجنبكم رحمته, فنعم الرب ربّنا, وبئس العبيد أنتم).
لم تكن موعظة الحسين هذه حباً بالدنيا وإنما عطفاً على اولئك القوم المغرر بهم وشفقة عليهم من ان يأخذهم الله سبحانه وتعالى بجريرة سفك دمه حتى عندما مالوا بوجوههم عنه من دون أن يجيبوه أخذ يخاطب اصحاب الحل والعقد منهم بأسمائهم إذ نادى (عليه السلام): (يا شبث بن ربعي ويا حجار بن أبجر، ويا قيس بن الأشعث, ويا زيد بن الحارث, ألم تكتبوا إليّ أن أقدم قد أينعت الثمار واخضرّ الجناب, وإنّما تقدم على جند لك مجنّدة ؟).
فأنكروا قيامهم بذلك.وعندما يئس الحسين من تغيير موقفهم خاطبهم قائلاً” لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل ولا أفرّ فرار العبيد, عباد الله إني عذت بربّي وبربّكم إن ترجمون, أعوذ بربّي وربّكم من كل متكبّر لا يؤمن بيوم الحساب).
هـــــــذه الارادة الصلبة هي أهم ما ميز ثورة الحسين التي ما كان لها ان تنجــــــــح في غرس بذورها التي بقيت ثمارها يانعة حتى يومنا هذا لو كانت واقعة الطف قد شهدت أي تهاون او تخاذل من جانب جيش الامام الحسين الصغير بالعدة والعدد الكبير بالارادة والايمان فما أحوجنا اليوم الى شيء من هذه الارادة ونحن نواجه سيلاً من المصاعب والهجمات والفتن لننتصر كما انتصر الحسين بدمه وكلماته المدويـــــــة غير مكترثين بمنايانا التي ستحل عاجلاً أم آجلاً, كما رددها الحسين قبــــــل الف واربعمئة عام “منايانا ودولة آخرينا” ولكنــــنا نقول هنا وعلى وفق المعطيات وواقع الحال انها منــــــايا الآخرين ودولتنا إن شاء الله.


















