مما يثير إستيائي – جليل وادي

jalil wadi

كلام أبيض

 مما يثير إستيائي – جليل وادي

من واقع تجربتي في المناقشات العلمية لرسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه أسجل ثلاث ملاحظات لافتة لطالما أثارت تذمري واستيائي : اولها عندما لاينظر المناقشون اليها بوصفها فعاليات نوعية لما تطرحه من أفكار و تثيره من اسئلة جراء عملية التفاعل الثقافي والفكري والمنهجي بين جميع المشتركين فيها وفي مقدمتهم الطالب ، فهي وان كانت امتحانا للطالب في جانب مهم منها ، الا انها فعاليات منظمة ومقننة يفترض افادة الكل منها ، لذا لابد ان تبلور الافكار والملاحظات على وفق الوقت المتاح بما يشكل اضافة علمية جديدة ، وان المناقشات التي لا تصدمك بمضامينها ولا تجعلك تعيد ترتيب أولوياتك العلمية تعد فعاليات نمطية عقيمة لا ترقى الى شيء سوى اسقاط فرض .

وثانيهما عندما يشن المناقش في مستهل مناقشته هجوما شرسا على الطالب مسفها عمله ومقللا من شأنه أمام الحضور ، بما يسبب له حرجا علميا واجتماعيا ، واضعافا لثقته بنفسه ، فضلا عن ارباكه بما يقلل من قدرته على الدفاع عن بحثه ،وقد يهون الحرج العلمي ازاء الحرج الاجتماعي لكون اعضاء لجنة المناقشة عارفين بما قام به الطالب من جهد في بحثه والمستوى الذي بلغه ، الا ان ذويه واصدقاءه ومعارفه وبقية الحضور يجهلون ذلك ، فيظنون ان عمله فاشل وأخطاءه فادحة ، وغيرها من الظنون ، بينما نريد الوقوف على المستوى العلمي الحقيقي للطالب ونمط تفكيره وحدود ثقافته في مجال تخصصه ، وقدرته على التعبير عن أفكاره ، ومدى ثقته في دفاعه . ومع ان الكثير من البحوث فيها من مواضع القوة ما يفوق مواضع الضعف ، الا انها تضيع في غبار الهجمات غير المبررة التي يتعرض لها الطالب ، اما تلك التي تتسم بالضعف في غالبها ، فأظن ان مسؤولية ذلك بالدرجة الاساس تقع على المشرف الذي وقّع في اقراره بان البحث بلغ صيغته النهائية وأوصى بمناقشته وعلى أساسها وقعت الاقرارات الاخرى ، ولذا يفترض ان يتعرض للمساءلة ، وقد يتعذر البعض بضعف الطالب بالاصل ، فوظيفة المشرف الارتقاء بمستواه العلمي او الاعتذار عن الاشراف ، ولا خيار ثالثا بينهما .

ومع ان الهجوم الشرس غدا سياقا لدى البعض ، وهو سلوك غير محمود كما أظن ، ولاسيما عندما يكون العمل البحثي مستوفيا لشروطه الأساسية ، الا ان بعض عمادات الكليات والجهات التابعة لها صارت تنظر لهؤلاء المناقشين بأنهم الأحرص علميا ، والاجدر بالمناقشة ، والاكثر جرأة في تشخيص اخفاقات الطلبة ، وترى في معاكسيهم مجاملين وغيرها من النعوت .

واذا كان الهدف من المناقشات ترصين البحوث وتعزيزها من خلال الاشادة بعناصر قوتها وتشخيص أخطائها ، فأرى من المناسب ان يبدأ المناقش بالجوانب الايجابية للبحث ، وما تميز به الباحث عن الاخرين في طروحاته ، ومكانة هذا الجهد بين الجهود البحثية الاخرى ، ثم بعد ذلك الانتقال الى المثالب التي انطوى عليها ، فمن شأن ذلك تهيئة الطالب ايجابيا للدفاع عما قام به ، ويقلل من حالة الارتباك التي تنتابه اثناء المناقشة ، أتمنى ان يكون ذلك سياقا تنص عليه تعليمات الوزارة بهذا الشأن  .

والملاحظة الثالثة تلك التي لا ينظر فيها المناقش للطالب في سياق كونه مازال طالبا ، وخبراته وثقافته وقراءاته والالمام بمجال الاختصاص في حدود عمره التي لاشك انها دون مستوى المناقشين ، لكنه مع ذلك يعرض الطالب لاسئلة فوق قدراته ومنها محيرة وضبابية لا يستطيع تمييزها ، ، ويخشى اثارة غضب المناقش اذا ما ردها عليه ، والغريب ان بعضهم يسحب الطالب الى مجال اهتماماته الثقافية الشخصية ، ومن المؤكد لن يكون الطالب بقادر على مجاراته ، فيرسم صورة بائسة عنه مع انه قد يكون غير ذلك تماما .

 لمن ينطبق عليه الوصف اقول : المناقشة فرصة علمية ربما تكون الاخيرة لوضع الطالب في الموضع العلمي الذي يفترض ان يكونه في المستقبل ، وهو اللقاء الأكثر رسوخا في ذاكرته . نريده باحثا واثقا ، لا شخصية مهزوزة.