مشاهدات من أرض الكنانة مصر العربية  21

مشاهدات من أرض الكنانة مصر العربية  21

محطات في تاريخ أوبرا الإسكندرية

الإسكندرية – رعد أبو كلل الطائي

مسرح زيزينيا أول مسرح خاص أنشأهُ الكونت زيزينيا أحد كبار تجار القطن وقُنصُل دولة بلجيكا في الإسكندرية  وحَملتّ منطقة زيزينيا في الإسكندرية أسمهُ، والذي شُيّدَ بعد ذلك مكانهُ تياترو محمد علي باشا، ويُعدُ مسرح زيزينيا أول بناء مسرحي خاص في العصر الحديث، وهو لا يتبعّ للحكومة المصرية، وأرتبط أسمهُ وتأريخهُ بمدينة الإسكندرية، وأُفتتحَ في عهد الخديوي إسماعيل عام 1863م، وظلَ يملُكُهُ الكونت زيزينيا حتى عام 1882م، ثُمَ أنتقلتّ مُلكيتهُ إلى البنك الإنجليزي المصري، وبعدها أُنتقلتّ إلى البارون جاك، وأخيراً إلى الأمير يوسف كمال حتى عام 1916م آلتّ مُلكيتهُ إلى اللبناني بدر الدين قرداحي والذي أنشأ مكانهُ تياترو محمد علي عام 1918م ويقع نفس مكان الكونت زيزينيا الشتوي .

إلى تياترو الإسكندرية

حي زيزينيا أو مسرح زيزينيا ومسرح سيد درويش، وتياترو الإسكندرية، هذه الأسماء الثلاثة المترابطة جذبتني مسمياتها، ورحتُ أبحث عنها في الإسكندرية لمشاهدتِها، فأمضيتُ إلى ظالتي غُبشَ صباحٍ بهيٍ نحو شارع فؤاد الأول بمحطة الرمل بالمنشية لمشاهدتِها، أوصلني تكسي أوبرا إلى شارع فؤاد الأول، فإذا أنا أمام بوابة رئيسية كُتِبَ عليها عبارة (مسرح سيد درويش في الإسكندرية)، وحينَ خطوتُ بخطواتٍ من البوابة واجهني مبنىً يلفتُ النظر إلى جمال طرازهِ. وبوابتهِ الحديدية المزخرفة وإضائتهِ المبهرة ليلاً والتي أضفتّ هي الأخرى روعةً على المبنى الأيقوني التراثي فضلاً على وجود نقوشاً محفورة باللغة الإنجليزية في أعلى المبنى تقول : (تياترو محمد علي باشا الكبير)، وفي ساحتهِ يجلُس شامخاً تمثال (نوبار باشا)، وقال زميلي أستاذ التأريخ الحديث والمؤرخ  والباحث الدكتور ظاهر محمد صكر الحسناوي والذي رافقني في جولتي هذه : لقد شُيدَ تياترو محمد علي والمعروف حالياً بدار أوبرا الإسكندرية أو مسرح سيد درويش عام 1918م، وأُفتتحَ عام 1921م، وما زالَ الأسم مدوناً على اللوحة التأسيسية للدار وعلى واجهتِها الرئيسية، ولقد صُممَ المبنى على الطراز المعماري الأيوني على يدّ المهندس الفرنسي الشهير جورج باك وأستوحى في تصميمهِ المعماري من تصميم دار أوبرا فينا بالنمسا ومسرح أوديون في باريس، وقام بتزيينيهِ بزخارف أوروبية كلاسيكية الطابع، كما كان سائِداً في مصر بداية القرن العشرين، وتم عرض الأوبرا الكوميدية وماسات التاج في ثلاثة فصول في هذه الأوبرا، كما شهِدتّ الأوبرا أول عرض مسرحي عربي لفرقة سليم نقاش في عام 1876م، وشهِدَ المسرح كما يقول الحسناوي خُطبة مصطفى كامل باشا عام 1897م، وعُـرضتّ على خشبة هذا المسرح رواية النجمة سارة برنار وكان عنونُها بالتيا تدور، وذلك في عام 1908م، كما شاهدَ الخديوي عباس حلمي الثاني على هذا المسرح جورج أبيض ناظر محطة سيدي جابر، وهو يُمثلّ مع فرقة أبناء مدارس الفرير المسرحية والتي كانت أعمالُها تُقدم باللغة الفرنسية، وبعدها وافقَ الخديوي على سفر جورج أبيض إلى فرنسا لدراسة المسرح عام 1904م، كما عُرضتّ على خشبة المسرح أول آلة (فونو غراف) تدخُل مصر، وتمَ عرضُها على الجمهور مقابل تذاكر ونقود بوصفِها تمثيلاً أو محاكاة للأصوات أو نوعاً من السحر تحت عنوان (الفونو غرافي)، كما قُدمت عليهِ عروضاً مسرحية وموسيقية مصرية عديدة وأوروبية، وقد كان أول عرض مسرحي قُدمَ على خشبتهِ هو عرض شهرزاد في عام 1921م . وتسمى دار أوبرا الإسكندرية حالياً بأسم فنان مدينة الإسكندرية الكبير سيد درويش بعد ثورة 23 يوليو عام 1952 تقديراً له على تحديثهِ في مجال الموسيقى في مصر.

مباني تراثية

 في حين تم تسجيل المبنى في عِداد المباني التُراثية في الإسكندرية في عام 1999م وذلك بعدَ أن عانى المسرح فترات من الأهمال، وأُدرجَ المبنى المُهمل تحت لائِحة التُراث المصري في عام 2000م، وبدأت من ذلك الوقت العمليات المُكثفة لتجديدهِ، وبعدَ سنوات من العمل تم ترميم المبنى وفقاً لأسلوب بنائهِ المُتميزّ ليُعاد أفتتاحه عام 2004م، وأصبح مسرح زيزينيا يضُمُ مسرحين، مسرح شتوي، وآخرَ صيفي . وبناءً على ما تقدم أقول :  إن زيزينيا هي أرقى حي في الإسكندرية، ومن المناطق الأرستقراطية، وعاش فيها صفوة المجتمع، وبعدها أزدادَ الزحف العمراني وسط المدينة إلى شرقِها، وكان زيادة الأزدحام في منطقة المنشية، فأدركَ العديد إن شرق الإسكندرية هو الأفضل فزحفوا إليها، وكانت أرضُها مُلك لعائلة أبو شال، وأشتراها اليوناني زيزينيا، وهو أول رجُل أعمال يوناني الجنسية جاء إلى مصر للتجارة وأستقرَ بِها عدة سنوات، وبجانب عملهِ بتجارة القُطن كان يعمل كقنصل بلجيكا في الإسكندرية، وهو من أصدقاء محمد علي باشا الكبير .