مسلات عبد الستار البيضاني.. إعادة تنقية الذاكرة في النص السردي
محمد جبير
” ربما انت مثلي “.. وربما اختلف عنك ، تلك الجدلية التي يخلقها نص المؤلف مع نص المتلقي في قراءته لمفتاح ” مسلة الوفاء” السادسة في مسلات البيضاني السبع ، والتي قد يتصور انه من خلال هذا المفتاح الاستهلالي جذب المتلقي الى منطقة القراءة التي يريد ان تكون وبالطريقة التي يعرضها ، اذ ان استمالة القارئ واشراكه في معطيات النص احدى وسائل التشويق والاثارة والجذب ، والا لماذا صرح بجملته تلك ؟. وماذا يبغي من ورائها؟,” ربما انت مثلي الان!” “المسلات-ص71” يصل القاص بالقارئ الى هذه النتيجة بعد عبوره خمس مسلات ، حملت العتبات التالية “مسلة قابيل، مسلة الاصدقاء ، مسلة الحب ،مسلة الشجر ، مسلة اللحظات المدببة” وقد يعبر مسلة الوفاء الى المسلة الاخيرة ” مسلة الامهات”.اراد البيضاني في هذه الجملة التي اعتمدها مفتاحا للدخول الى نصه السردي ان يجردنا من حياديتنا في تلقي هذه النصوص السردية وانما نلقي كل اسلحة التوقعات وقراءة مقصديات الكاتب اثناء فعل القراءة ، ونعيد القراءة مجددا للمسلات السابقة التي اخذنا في قراءتها وفق ما نتحكم اليه من قراءات سابقة في نصوص الحرب او في نصوص البيضاني عبر كتبه السابقة..اشارت كلمتا التعريف اللتان اعتمدتا في الغلاف الاخير للمسلات الى موضوعة الحرب صراحة لاسيما في كلمة الدكتور حسين سرمك التي جاء فيها ” مسلات عبد الستار البيضاني هي صرخة الروح الذبيحة للانسان والمفجوعة بلعنة الحرب التي لاتستثني احدا ” فيما احالت القاصة والروائية ميسلون هادي الى مجموعة مآتم تنكرية بعد كلمة احتفائية بتمسك البيضاني بالنص القصصي وعدم ركوبه موجة الهوس الروائي التي سادت المشهد الابداعي في العقد الاخير.هذه الاشارات تهيىء المتلقي للدخول لهذه النصوص وهو يرتدي بدلة المقاتل ليكون في الجو العام للنصوص ، لكن اي مقاتل ، هل يستدعي الشخصيات التي نامت في اعماق الذاكرة منذ زمن الثمانينات من القرن الماضي ام شخصيات حرب الزمن الحاضر ؟. فقد كان ” مثقلا بحقائق التكهنات ” ” ص5- مسلة قابيل” ولاننا نؤخذ بجريرة افعال الغير فإن تلك الحرب هي بمثابة لعنة متواصلة على مدى الزمن البعيد والقريب ” فكر معي الآن بافراغ حقائبي قبل ان يداهمنا الامريكان بصنيعة قابيل” ” المسلات- ص11″. كيف يتأتى لنا ان نفرغ تلك الذاكرة من نصوصها اليوم ونحن لم نزل نعيش الحرب بجحيمها المتواصل الذي اغتال كل احلامنا وصادر كل سعاداتنا صغيرة وتركنا كجذوع النخل الخاوية والمحترقة في الفاو والمملحة ، هناك ياصديقي تركنا تركنا كل احلامنا واجلنا حتى مشروع حياتنا وبعنا ايامنا لرمل الصحراء في الشوش والخفاجية ونهرب من ليل الخوف والهجومات والقصف العشوائي الى الصباحات المقلقة والحزينة التي نتفقد بعضنا البعض بعد ليلة قصف مكثف على المواضع التي حفرت تحت الارض ، كنا نحفر قبورنا في ايدينا ننتظر ساعة دفع حساب قابيل .
ربما انت مثلي الآن
وربما انا مثلك الآن
وما الفرق في ذلك ؟. انت الذي تسترد الحكاية ، وانا ارسم حكاياتي في ذهني عن ” وحشة السواتر” “ص-19″ و” الصديق الطارئ”” ص-25″ لأن ” الحرب عودتنا ان نعيش غربتنا خلسة ” ص33″. لأنهم كانوا ” يعيشون الحرمان على اكياس الرمل او رطوبة الخنادق عند تخوم المدن او مفازات الصحراء المهملة” “ص43”..
انت تعرف
وانا اعرف
انا ما بيني وبينك خيط من محبة وود لا يمكن ان ينقطع ، قد يراه البعض واهنا لكنه اقوى مما يتصورون ، اذا ما رادوا قطعه فإنهم لا يستطيعون ذلك حتى وإن اجتمعوا جميعا ، ها انت تكتب اليوم بعد اكثر من ثلاثة عقود عن تجربة الموت بعد ان شبعوا في الكتابة عنها في زمنها ، وما بين الاثنين بون شاسع ، وتلك وظيفة المبدع ، لم تكتب عن وقائع واحداث رويت لك ، او سمعت اطرافاً منها من هنا او هناك او استثمرت القراءات الخاصة او حررت خيالك في ضوء البيانات العسكرية التي كانت تصدع رؤوسنا في الانتصارات على جبهات القتال ونحن هناك نبحث عن كسرة خبز يابس نكبت بها صراخ معدة فارغة اثر هجوم متواصل يشل حركتنا بين المواضع.انت تعرف ، انك اليوم “تستنطق وحشة ما تبقى من العمر ووجع ما ضاع منه .. تفرك مصباح الخيبة السحري وتخرج منه صورة غريبة داخل المصباح وخارجه .. اليس كذلك!” ص71″. ان هذا الاستنطاق هو الذي يفتح انهار الجراح على الذكريات المؤلمة والبكاء على العمر الذي انقضى هباء وعلى الاعضاء المبتورة للاصدقاء او الاجساد المقطعة التي تختلط مع بعضها جراء القصف العشوائي الليلي او النهاري . ورثنا من تلك الحرب ذاكرة ميتة متيبسة على بقايا احزان ، وقرفنا من كل صور المأساة التي تسعى الى سحبنا تجاه افخاخ المناطق المحرمة والحجابات ومخاتلة القناص الذي يتربص بنا حتى في لحظة خروجنا لقضاء حاجة في العراء .هذه النصوص التي دونها البيضاني في المسلات ليست نصوص حرب عادية وانما هي نصوص كتبت لاناس مثلنا ، نعم كان مدركا حين افتتح مسلة الوفاء بالعبارة التالية ” ربما انت مثلي الان” ولم يقل ” بعمري الآن” لأن العمر ايام وسنوات معدودات ، لكن مثلي اكبر، ليس بمعنى المشابهة او التقارب وانما بمعنى آخر اكبر من لك قد يعني التشارك في الذكريات او المصير او الفكرة او الروح ، “انت مثلي الآن” تجتر ذكريات مؤلمة في ركن منزو في البيت بعد ان غادر الاولاد البلاد خوفا من حرب مقبلة وانت لاتقدر على منع وقوع ذلك ، قد تكون مثلي مختلفاً مع نفسك او متصالحا او كن ما تكن لكنك اليوم وانت تقرأ هذه السرديات تريد ان تكون مثلي او ان تستعيد جزءاً مما كنت عليه ، فإنه عليك الآن ” ان تؤثث ذاكرتك الميتة بالمسلات التي تخص حروبا قد تأتي””ص91″.لم يخب ظني في يوم من الايام وانا اقرأ نصا سرديا للبيضاني ، منذ السبيعنيات من القرن الماضي وحتى يومنا هذا الا مرة واحدة ، ولن اتحدث عنها لانها ليست من اهتماماته الخاصة الا انه في النص القصصي فانه يلعب في بيته كما يقال ويعيد تشكيل تلك الحيوات وفق خيال ابداعي مميز ولغة قصصية تمسك بالمتلقي وتجذبه الى مركز الفعل القرائي من دون تشتت ، فقد كان متميزا عن اقرانه منذ اللحظة التي قرر فيها ان يعلن عن حضوره الابداعي في المجموعة القصصية المشتركة ” اصوات عالية ” التي صدرت في العام 1983 عن ” مطبعة سلمى في بغداد ” وكان ذلك العام على مستوى التاريخ عام انكسارات في الحرب ، الا انه لم يكتب عن تلك الوقائع وانما اختار نصوصا هي ” الحب صمتا حتى الموت ، السور ، حالة لرجل نصف مجنون ” وهي نصوص لازالت تنبض في الحياة، ليلحقها بعد سبع سنوات بمجموعة ” قلعة النساء-1990 ” والصادة عن دار الورقاء ” لتاتي بعدها مجموعة قصص تشكل نقله في تجربته الابداعية الا وهي مآتم تنكرية عام 1993 والصادرة عن دار الشؤون الثقافية ، ثم ” الثنائيات -2000″ عن الدار نفسها فضلا عن رواية ” لجوء عاطفي- 2002″ .


















