مدرس الرياضة .. مدرس الرياضيات
كنت طالباً في مرحلة الدراسة الثانوية (الصف الثاني) في ثانوية الجمهورية بمدينة الناصرية..
كنت شاباً صغيراً رياضياً ولاعباً بفريق المدرسة بكرة القدم..
كما مارست موهبتي في فن الرسم..
كرسام في مرسم المدرسة.. بعد انتهاء العام الدراسي كانت نتيجتي في امتحان الدول الاول (مكمل) بمادة الرياضيات.. وللامانة وبعد مرور اكثر من اربعة عقود من الزمن اقول وبنزاهة ان مدرس مادة الرياضيات الاستاذ (منعم) كانت مقصراً في مادته من حيث الاداء والامكانية العلمية..
كان رجلاً ثرياً وبديناً وكسولاً، يتكلم عن سيارته (المارسيدس) اكثر مما يتكلم عن موضوع الدرس، فكان المستوى العلمي غير جيد لاغلب الطلاب..
الطريف ان معظم الطلاب وجدوا طريقة للنجاح والحصول على الدرجات العلية في درس الاستاذ منعم من خلال (الغش) في مادة الرياضيات في الامتحانات الفصلية، فيكون عندهم المعدل العالي من الدرجات تؤهلهم للنجاح في نهاية العام الدراسي.
هذه الحالة كانت معروفة وسائدة عند الطلاب، وربما يعلم بها الاستاذ (منعم) ولا يعيرها الاهتمام من اجل التوازن في نسبة النجاح عنده.
كرست معظم وقتي خلال العطلة الصيفية لمراجعة مادة الرياضيات، وفي يوم الامتحان دخلت القاعة وكلي ثقة بالنجاح..، وزعت علينا الاسئلة الامتحانية، وعند مباشرتي لجواب السؤال الاول، لاحظت مجيء مدرس الرياضة في مدرستنا الذي يشرف على فريق كرة القدم للمراقبة على القطاع الامتحاني الذي كنت جالساً فيه، وقف بجانبي وهمس.. (تريث.. تريث لا تكتب.. سوف اجلب لك الاجوبة).
قلت.. استاذ.. الاسئلة واضحة وبسيطة وانا متمكن من الاجابة عليها بسهولة.
لم يكترث لكلامي.. الاستاذ يريد مساعدتي كوني اللاعب الجيد في فريق المدرسة بكرة القدم.
بدأ مدرس الرياضة بين فترة واخرى يأتي بالاجابة عن سؤال وعلى التوالي، ينقلها لي من طالب جالس يمتحن بقربي، وانا اكتبها في دفتري..
لكن احترامي للمدرس ولصغر سني وخجلي منه جعلني انصاع اليه مكرهاً.. على اية حال سلمت دفتر الرياضيات وخرجت من القاعة وانا قلق وغير مرتاح، وقد انتابني شعور بضيق في تنفسي وغثيان عندما تصفحت كتاب الرياضيات في الطريق الى البيت.
بعد اسبوع اعلنت النتائج الامتحانية.. كانت نتيجتي (راسب) في مادة الرياضيات.. صدمت ودارت الارض عند سماعي خبر رسوبي..
بكيت بحرقة ومرارة وآلم سحق لي بقايا روحي الواهنة المنكسرة.. ترى اي ذنب اقترفته ليمارس معلمي معي هذا الغبن والظلم..
اني متمكن من الاجابة بدون قصد ويريد مساعدتي؟
لماذا لم يتركني وشأني عندما اخبرته اني متمكن من الاجابة على الاسئلة؟
لماذا تفضل علي باجوبة خاطئة وجعلني ارسب بهذا الشكل الدامي؟
كان عليه ان يتكلم مع مدرس الرياضيات لمساعدتي؟
اسئلة كثيرة كانت تحتصرني ولا اجد اجوبة شافية لها.
في البيت وجد العائلة في كدر وحزن شديد وهرج ومرج..
وشتائم ولعنات لمدس الرياضة وعواطفه الساذجة التي اصر عليها ولمدرس الرياضيات الفاشل البدين..
لكن والدي حسم الموقف عندما امرني ان اذهب للمدير واشرح له ما جرى في قاعة الامتحان ومسؤولية مدرس الرياضية الذي تسبب برسوبي.
ذهبت للمدرسة.. دخلت غرفة المدير المرحوم الاستاذ (فيصل سبتي) الذي استلم ادارة ثانوية الجمهورية قبل فترة قصيرة من موعد انتهاء العام الدراسي لتلك السنة..
وجدت في غرفة المدير اثنين من مدرسي المدرسة وهما الاستاذ نوري عبد الرحيم مدرس اللغة العربية والاستاذ اسماعيل حمد مدرس اللغة الانكليزية.. وقفت امام المدير كالصنم.. وكان المدير رجل صعب المراس وصعباً مع الطلاب.. يخشاه ويهابه المدرسون (لمستواه الحزبي العالي- انذاك).. سألته بادب عن درجتي في امتحان الرياضيات.. وكنت عازماً على طرح مشكلتي.. نظر المدير الى ورقة كبيرة امامه.. وقال.. ها(راسب).. فبادر فوراً بالكلام الاستاذ نوري وقال للمدير (استاذ) هذا الطالب مؤدب وجيد.. انه رسام ورياضي ولاعب كرة القدم في فريق المدرسة..
ولو لا هدفه الصاروخي الرائع الذي لا يرى بالعين المجردة (قالها ضاحكاً) الذي هز فيه شباك مرمى الفريق الخصم من خارج منطقة الجزاء في الدقائق الاخيرة من المباراة لما فزنا وحصلنا على كأس البطولة بكرة القدم للمدارس الثانوية في المحافظات لهذا العام..
ثم انه رسام ايضاً وأحد طلاب مجموعة الرسم المدرسة التي فازت أعمالهم الفنية التشكيلية بالمرتبة الاولى في معرض الفنون لمدارس المحافظة.. اعقبه بالكلام الاستاذ اسماعيل.. حين قال للمدير
انظر يا سيادة المدير الى هذه الكؤوس فوق الرف انها بفضل هؤلاء الرياضيين الابطال.
ابتسم المدير..
نظر الى قائمة الدرجات.. وقال بصوت عال انت رسام ورياضي وسجلت هدف الفوز للمدرسة.. اجبت.. نعم استاذ.. انا العب بمركز الجناح الايسر..
قال.. (عفية عليك).. اذهب فأنت ناجح.. ومسك القلم وغير الدرجة..
الطريق بعد انتقالي الى الصف الثالث في بداية السنة الدراسية الجديدة.. وفي درس شاغر دخل علينا الاستاذ (منعم) مدرس الرياضيات في الصف الثاني.. وقد تفاجأ بوجودي جالس في الصف الثالث.. وقف بجانبي وقال.. ها.. انت راسب بدرس الرياضيات.. كيف انتقلت الى الصف الثالث؟
اجبته بكل زهو.. وتشفي.. لا استاذ انا ناجح والحمدلله.
قال: كيف؟.. كيف حصل هذا؟
قلت.. اذهب للسيد المدير فعنده الجواب.
لم يرد علي.. فقط اشاح بوجهه عني.. وسار ببطء نحو الباب بعد انتهاء حصة الدرس وكان مطرقاً.. وحائراً.. لا يقوى على الكلام ومجابهة المدير حول ملابسات نجاحي الاثير.
عوني حامد حسين – بغداد



















