مخالب الكرسي.. قصة واقعية

مخالب الكرسي.. قصة واقعية

 

 

كوفند شيرواني

 

نشأ دريد في أسرة متوسطة الحال بمدينة صغيرة في بلد مشرقي، وكان والده من المعلمين الرواد الذين تتلمذ على ايديهم أغلب رجالات المدينة وأعيانها، وكان الأستاذ أبو دريد، تبعاً لذلك، يحظى بتقدير واحترام كبيرين من قبل الناس اسوة بما كان يلقاه المعلمون في ذلك الزمان.

 

وكان دريد الأقصر قامة والأنحل جسماً بين أخوته الأربعة، إلا أن الأقدار عوضته عن ذلك ذكاءً ودهاءً يسترعيان الانتباه، منذ سنواته الأولى في المدرسة، لكنه كان مادة دسمة للمشاكسة والسخرية (أو ألنصبة كما يقال في العامية)، من قبل زملائه في الدراسة الذين عابوا عليه قصر قامتة ونحافته الملفتة، ونعتوه بـ”الكطف” أي عقب السجارة، مما حز في نفسه وأصابه بكثير من الألم والانكسار، وأثار لديه الرغبة بالثأر لنفسه من مشاكسيه، لكنه أدرك بفطنته أنه لن يقدر على مواجهة أقرانه مجتمعين، وقد كثر عددهم، فصار يكمن لهم خلسة ويتصيدهم واحداً تلو الآخر بضربات سريعة خاطفة ويفر بعدها دون أن يمكن زميله المغدور من اللحاق به.

 

ودأب دريد على هذا المنوال مع زملائه “الأعداء”، وحين توجه هؤلاء بالشكوى لدى مدير المدرسة أو مدرسيها، لم يجدوا من يصدق ادعاءهم، فمن ذا يصدق أن هذا الفتى النحيل صغير الحجم، يقارع زملاءه ويغلبهم وهم أضخم منه جسداً وأطول قامة.

 

وهكذا أدرك الجميع كم كان دريد “داهية وصعب المراس”، فلقبوه بـ”الشيطان الصغير” عوضاً عن “الكطف”، وصاروا يتجنبونه ما أمكنهم ذلك.

 

قطع دريد بنجاح مراحل الدراسة الواحدة تلو الأخرى، وتفوق فيها على الكثير من زملائه، وحصل بعد سنين على مقعد دراسي في كلية طبية بجامعة مرموقة، وهاجسه الأول في مشوار دراسته أن يثبت لنفسه وأقرانه بعامة ومن يشاكسونه منهم بخاصة، أنه أفضل منهم، بل هو الأفضل بينهم، وكان يؤرقه أن يخفق في تحقيق ذلك المبتغى الذي أضحى غايته ووسيلته في آن معاً.

 

وقد عاد ذاك المنحى على دريد بفوائد جمة، فقد نال شهادة طبية عالية وأنخرط في سوح العمل بمشافي بلده لوهلة من الزمن، لكنه أستقرأ بذكائه وبصيرة، أن شؤون البلاد سائرة من سيء الى اسوأ، وأن بوادر حرب وشيكة باتت جلية وقريبة، فأرتحل تاركاً وطنه إلى بلد أوربي حيث الديمقراطية راسخة، وفرص العمل والتفوق مشرعة أبوابها للمجتهدين والأكفاء، كان دريد أحدهم لا ريب.

 

مضت سنوات قلائل تبوأ بعدها دريد مراكز مرموقة في مؤسسات تعنى بالتعليم والبحوث العلمية، وأنجز في تخصصه العديد من البحوث التي منحته صيتاً وثروة ما كان له أن يحققهما في وطنه.

 

وكانت لدريد كذلك اهتمامات ومتابعات في السياسة والثقافة، وكان يكتب فيهما ويحلل بدقة وينتقد بعمق، أسترعى اهتمام أحد الساسة الكبار في بلده، إذ وجد ذلك السياسي، الذي كان يحتل مركزاً رفيعاً في قيادة أحد الأحزاب الحاكمة، في دريد ضالته المنشودة، ووجهاً جديداً (فد واحد بالباكيت)، فتعارف الأثنان وتوطدت الصداقة بينهما، فرشحه السياسي عن قائمة حزبه، لمنصب رفيع في وزارة تعنى بشؤون التعليم متأملاً أن يحقق تطوراً مستحقاً، ولحزبه، وهو الأهم، شعبية ومكاسب أوسع.

 

قبل دريد العرض دونما تردد، وباشر العمل في منصبه الجديد، ولاسيما أن ذلك لم يكن جديداً عليه البتة، فهو يدرك بمتابعاته المتواصلة متاعب ومصاعب قطاع التعليم في بلده، وكانت له رؤيا وأفكار جريئة في كيفية التحديث والارتقاء به من موروث متخلف إلى مصافي العالمية.

 

لكن هاجس دريد الأول، والخفي طبعاً، كما كان طوال حياته، كان أن يعود لموطنه ليثبت للآخرين أولاً، وربما لنفسه لاحقاً، أنه أفضل ممن نعتوه بـ(الشيطان الصغير)، وأنه صار عملاقاً بوسعه أن يسحقهم كما تسحق الأقدام الحشرات!!!

 

إن تركيبة دريد وشخصيته، لا تخلوان من الغرابة، إذ اجتمعت في صفاتها تناقضات الذكاء والدهاء ممتزجة بنفحات من الشقاوة والرغبة في الثأر للنفس التي انكسرت في ماضي الأيام إثر سخرية زملاء الدراسة.

 

وهكذا قدم دريد، وهو القادم من بلد أوربي متقدم، أفكاراً جديدة ومشاريع طموحة بعناوين براقة ومثيرة، كانت ثورية في ملامحها، جذرية في محتواها، وأعلن أن مبتغاه التغيير في أي شيء وفي كل شيء!! الأمر الذي أثار إعجاب الجميع من عاملين في قطاع التعليم فضلاً عن المسؤولين، بطروحاته “فيكاته” المستحدثة، أو المستوردة لا فرق، التي تسعى لقلب كل شيء  رأساً على عقب، “على البطانة”، إلا أنهم، أو بعضهم على الأقل، خامرهم بعض الشك في مقاصد دريد، لأنهم وجدوا فيها تهديداً لمكاسب ومواقع رسمية تسلقوها بعد سنوات من العمل والمثابرة ومواهب أخرى مشروعة أو غير مشروعة!!!.

 

وحين تقاطعت المشارب والمصالح، كان التصادم بين دريد ومديري الدوائر التي ترتبط بوزارته أمراً محتوماً لم يكن بالإمكان تلافيه، فوجد دريد وقد كان منذ صغره صدامياً (لا يعني ذلك انتسابه إلى صدام)، في تلك الصدامات فرصة مواتية لاختبار مواهبه (شيطنته) الفطرية وهوسه بفتح جبهات يشتبك فيها مع معارضي نهجه “الثوري الجديد”، فصار ينظر لمن يخالفه الرأي نظرته إلى غرماء أيام الدراسة. وعاد إلى أمر طالما برع فيه، وهو صنع المكائد والمؤامرات، للإطاحة بغرمائه أو الايقاع بهم وبينهم، ثم يجلس بعدها مسترخياً ليستمتع برؤيتهم يسقطون الواحد تلو الآخر.

 

راقت لدريد حالته الجديدة، (يعني عجبته الوضعية)، كيف لا وقد منحه المنصب (الكرسي) الرفيع الآسر، قدرات هائلة أحالت “الشيطان الصغير” غولاً ذا أنياب ومخالب تمكنه من افتراس أياً كان! وفي السياسة كما في التجارة، كل شيء له ثمن، وهكذا انهالت على دريد، الوساطات والطلبات، المشروعة أو غير المشروعة، من الحزب، صاحب الفضل عليه، لإبداء تسهيلات لـ”الرفاق” أو المحسوبين عليهم “مؤيدين”، وما كان له أن يردها (شحده يرفض)، فقام بتلبيتها على مضض (يعني من ورا خشمه)، لكن تلك الطلبات، تصاعدت بعد حين من الزمان، لتبلغ مرحلة “الاملاءات”، الأمر الذي أزعج دريد، برغم أنه كان مضطراً لتنفيذها.

 

كان دريد قبل تسنمه المنصب الرفيع، يفاخر باستقلاله وعدم انخراطه في سلك الأحزاب والتحزب (يعني صفحته بيضاء)، لكنه صار، وقد مسخه المنصب الجديد، (بيدقأ) من بيادق الحزب الذي احتواه، تحركه أجندة ذلك الحزب ومصالحه قبل مصالح العوام (ولد الخايبة).

 

وهكذا أصبح دريد الأكاديمي والباحث المرموق، في غفلة منه ومن الزمن، أحد الساسة المتمرسين بامتياز، وصار يتكلم مثلهم، بصورة منمقة جميلة في وقعها على السامع، يدغدغ عواطف العامة وطموحاتهم، يعدهم بالكثير ولا ينجز إلا القليل، أو لا يحقق شيئاً على الإطلاق، من وعوده المعسولة.

 

لقد أوقعت بدريد، كما بالكثير من قبله، مباهج السلطة ومغرياتها (سطوة وثروة) في شراكها، ولاح بالتدريج ضمور مشاريعه الطموحة التي جلبها من “يوتوبيا المهجر” الأوربي لتحل محلها المصالح (للحزب والرفاق طبعاً) وأخواتها.

 

ولأن السلطة والمناصب لهما، كما في الحياة وأمور أخرى، أجل وختام، فقد حلت وبعد سنوات قصارنهاية مدة تكليف دريد بالمنصب، وصار عليه أن يغادر المنصب (يعوف الكرسي) ويتهيأ لـ”التسليم والاستلام”، ما أصابه بحزن عميق (حقه والله)، اضمحلت على إثره نشاطاته المفعمة بالحيوية، وصار يتشبث بأي شيء يضمن له التجديد لمدة جديدة (ولاية ثانية) حتى تبقي “ايده بالدهن” الأمر الذي لم يكن ممكناً من دون دعم الحزب الذي سانده، لكن الحزب لم يعد متحمساً لتجديد الولاية (عفواً المنصب) له، فقد خلق دريد خلال (ولايته الأولى) صدامات مع متنفذين (سوالهم مشاكل) من أحزاب أخرى، وخلافات مع مسؤولين في الدولة (اندك بيهم)، كان جلهم من مسؤولي وزارته التي يديرها، وألحق بذلك إضراراً فادحةً بالحزب (حزبه) نالت من شعبية ومقبوليته بين العامة الذين يتنافس الجميع على إرضائهم (طبعاً بس وكت الانتخابات).

 

وهكذا بدأ دريد أكاديمياً وباحثاً لامعاً في المهجر الأوربي، لينتهي به المطاف مسؤولاً متسلطاً ذا مخالب في بلده !! كيف كان لهذا أن يحصل؟ ولماذا يحيد عن السبيل الكثير من الذين جلسوا (استلموا) على الكراسي؟ ولماذا يظل الطريق من كان مرشداً إليه؟ وهل أن الكرسي مرضاً عضال يصيب جالسه لا محال؟ ثم أليس الأشخاص اللامعين والأذكياء (دريد مثلاً)، معصومون عن الأخطاء؟ وهل كان بالإمكان تفادي ما حصل لدريد ويحصل بأستمرار لآخرين يفوقونه ذكاءً ومعرفة؟ وهل أن منافع المنصب كفيلة باغواء أكثر الناس ورعأ واستقامة وعلماً؟

 

تساؤلات كثيرة طرحت نفسها قبل أن تطرحها حادثة (قصة) مخالب الكرسي، يمكن أن تكشف عن أمرين، أولهما حقيقة ننساها، أو نتناساها (لا فرق) على الدوام، هي أن دريد وغيره من “أصحاب الكراسي” هم بشر، وبنو البشر خطاؤون غير أن غلطة (خطأ) الشاطر بألف كما هو معروف.

 

وثانيهما أن نتذكر ونذكر، بأن “المفترس” الذي يجلس على كرسي السلطة، كبيراً كان أو صغيراً، يمتلك مخالب عشرة تمكنه من ايقاع جراحات تضاف إلى جراحات سابقة، تأبى أن تندمل في جسد هذا البلد وأهله الطيبين.

 

وقد عادت بنا “مخالب” دريد، عفواً “مخالب الكرسي” التي نبتت في يديه بعد أن توسد المنصب، إلى قول بليغ لرهين المحبسين أبي العلاء المعري هو (لا تسل ذا المخلب لم يفترس أن المخلب يملي عليه الافتراس).