مثيرات واقعية تشاكس الذائقة العامة – اضواء – محمد جبير

السباهي يحلّق عالياً

مثيرات واقعية تشاكس الذائقة العامة – اضواء – محمد جبير

قراءة نص للكاتب المبدع محمد سعدون السباهي تشكل متعة خاصة للمتلقي سواء اتفق المتلقي مع طروحات الكاتب او لم يتفق ، وانا كمتلق يمتلك ذائقة خاصة في قراءة النص السردي القصصي والروائي فضلا عن معرفتي الشخصية والعلاقة التي تكاد تكون تاريخية وهي تقترب من نصف قرن ، اعرف جيدا اسرار حكاياته ومصادرها الواقعية او المثيرات الواقعية للحكاية السردية التي يريد ان يرويها السارد او مايزرع من اسئلة تثير الشكوك في ذهن المسرود له ، لكي يتحرر من حال التلقي السلبي الى حال التفاعل الايجابي مع النص السردي.لم يرتكن يوما الى تجربة واقعية مستلة من الواقع بافيرها وانما يذهب بعيدا الى تفكيك تلك الحكاية واعادة انتاجها في ضوء منظومته الفكرية الخاصة به كانسان وككاتب ايضا ، اذ لايعيش  انفصالا او تقاطعا بين مايؤمن به  وبين يكتبه من نصوص ، لذلك نراه مقلا من حيث الكم في الانتاج السردي اذا ماقورن بما انتجه مجايليه من كتاب السبعينات وحتى كتاب العقود الاخرى ، لكننا لو قرانا تلك النصوص بموضوعية مجردة من الاغراض الشخصية والامراض النقدية والثقافية ندرك جيدا ان كل نص سردي من نصوصه يثير اشكالات كثيرة ويشاكس ذائقتنا الثقافية والفكرية فهو دائما ما يقدم اسئلته في ثنايا الحكاية والتي تزعزع قناعات المتلقي الراكدة في اعماق ذاكرته باعتبارها واحدة من المسلمات او البديهات التي لايمكن تغييرها وان في تغيير تلك القناعات فوضى حياة قادمة .هو الكاتب الذي بقدحة فكر يهدم العالم ويعيد بنائه مثله مثل ذاك الغجري الذي  يقول ” بوتر ربابتي  اهدم العالم واعيد بنائه ” والعالم لدى السباهي هو كل الحكاية التي يريد سردها للناس ، اي بمعنى اخر يريد تواصلا انسانيا مع الاخر ” المتلقي” كيفما كان ذلك المتلقي او في اي مكان ، وهو اذ يكتب عن تجربة الغجر في الفوار وعالمهم السحري الذي كان مسكونا ومبهورا به باعتبارها عالما يختلف اختلافا كليا وانسانيا عن علم القرية او المدينة ، اذ انه عالم يحمل منظومة من القيم الجمالية والانسانية تتقاطع مع العوالم الاخرة التي تدنست بقيم تدعي انها مدنية او حضارية لكنها في حقيقة الامر قيم متخلفة تعشش في عقول ظلامية لاتريد للجمال ان يتسيد العالم ، من هذا المنطلق يريد الكاتب ان يقول للاخر ” انا اكتب ، انا موجود” فاكتابة لدى السباهي هي المعنى الحقيقي للحياة او الوجود الانساني للكائن البشري ، والكتابة الابداعية وليست اية كتابة .لذلك يعود الكاتب او يتواصل مع الافكار الوجودية التي كان قد بثها في نصوص مجموعته الاولى ” ضباب كانه الشمس” اذ يشدد على “ضرورة ان يمضي الانسان حياته ، كما يريد هو وليس كما يريد منه الاخرون باعتبار ان الاخرين هم الجحيم ” “ثعالب من عسل –  ص92″.تبدأ رواية ” ثعالب من عسل ” النص الذي صدر مؤخرا  للسباهي ، بأهداء  يحيل المتلقي الى عالم غريب عن واقعه اليومي المعغاش ولايمكن ان يتناوله الا من خبر اسراره  وعاش حياته وتنفس هوائه وعشق كل زاوية فيه ، ا- ليس من السهل ان تكتب عن عالم اقل مايقال عنه انه متقلب المزاج في كل لحظة ومتغير الحال والمكان وطبيعة الحياة بين لحظة واخرة اي بمعنى اخر انه عالم متحرك متناقض غير تقليدي لايمكن ان يعيش الرتابة اليومية ، ا- ثبت في الاهداء الاتي ” الى غجر الفوار وغجر العالم كافة .. الى الغجرية فضاء التي لا اعرف اين وكيف هي الان “.واذ يقود هذا الاهداء المتلقي وهو معبأ بمخزون سردي صوري عن هذا العالم  ، ويبحث عن التطابق او التقارب او التشابه بين مخزونه ومخزون النص السردي فانه سجد نفسه من الصفحة الاولى انه في تقاطع او اختلاف مع الكاتب لكن قد تدفع الحكاية التي سردت في المقطع الاول الى الصبر على السارد على الرغم من الحكاية ذاتها تثير الاسئلة ، وهو مايلعب عليه السارد في لعبة الاسترخاء والشد في العلاقة الثنائية بينه وبين المتلقي لان السارد في ذاته متلق اخر للنص ، لذلك يدرك خيوط اللعبة التي يمسك بها ، الا ان زرعه لحكاية الغجري وابنه واهتمامه بهما في سجن ” ابي غريب” يدفع المتلقي الى الانتظار للتعرف الى ماتبقى من الحكاية .لكن اذا كان هم المتلقي هو البحث عن التطابق في المخزون الصوري ، فان هذه الحكاية لاتعني شيئا في النهاية وهو مايدركه الكاتب  في بحثه المتواصل لاكتشاف اسرار الكتابة السردية ، التي لابد ان تقلق الصورة الراكدة والقناعات المترسبة وتفتت ما اختزن في الذاكرة من تلك القناعات الجاهزة التي تجعل من الانسان ببغاء يردد مالقن به الى انسان يفكك شفرات الصورة المختزنة والمتلقاة من  النص السرد ي  ليعيد تشكيل الصورة الاخرى التي يراد ان تكون صورة مغايرة ومخالفة للقناعات الجاهزة وتحكي الحقائق من وجهة نظر الانسان الذي عاش وراى وسمع الحكاية  ليعيد روايتها لنا كنص مكتوب بطريقته الخاصة ونشكلها نحن بطريقتنا ايضا .هذا النص ، لم يكن نصا عن فضاء الغجرية او عن عالم الغجر في الفوار او مناطق اخرى وليس عن علاقاتهم وماتعرضوا له من وشايات تطيح برؤوس كثيرة منه او عن الاستغلال الجسدي وانتهاك حرمة الجمال  ، وانما هي حكاية بمعنى اخر عن غجر العراق ككل الذي قاده قطيع من ارعيان ادى الى تشرد شعب باكمله في بلاد الله الواسعة” هم من دون شك في اسوء حال ، موزعون بين المؤاني ومحطات القطارات ، يبحوثون من دون جدوى عن وهم ، ما ان يوشكوا على الامساك به حتى يتبخر من جديد كالضباب من بين اصابعهم ، واخالهم سيظلون يدورون ويدورون شأ ن الباحث عن كنز عزيز لكن عصي المنال” “الرواية- ص96