
ما بين العقيدة الوطنية والعقيدة المذهبية – كامل كريم الدليمي
تُعدّ العقيدة من أهم المرتكزات التي يقوم عليها سلوك الإنسان وتوجهاته، فهي الإطار الفكري والقيمي الذي يحدد ولاءاته ومواقفه. وفي المجتمعات المتنوعة، يبرز سؤال جوهري حول طبيعة الانتماء: هل يكون الانتماء للوطن أولاً أم للمذهب؟ ومن هنا تظهر الحاجة إلى التمييز بين العقيدة الوطنية والعقيدة المذهبية، وفهم الدور الذي تؤديه كل منهما في بناء المجتمع واستقراره.
العقيدة الوطنية هي منظومة القيم والمبادئ التي تجمع أبناء الوطن الواحد على اختلاف أديانهم ومذاهبهم وأعراقهم، وتضع مصلحة الوطن والمواطن فوق أي اعتبار آخر. وهي تقوم على الإيمان بوحدة الأرض والشعب، وعلى احترام الدستور والقانون، والعمل من أجل حماية الدولة وتحقيق رفاهية المجتمع. في الدول المستقرة التي تسعى لخدمة مواطنيها، تصبح العقيدة الوطنية بمثابة رابط جامع يلتف حوله الجميع، ويُعد الإيمان بها واجباً أخلاقياً ووطنياً على كل مواطن، لأنها الضامن لوحدة الدولة واستقرارها.
عقيدة مذهبية
أما العقيدة المذهبية فهي عقيدة دينية أو فكرية تخص جماعة معينة من الناس، ينتمون إلى مذهب أو طائفة أو تقليد ديني محدد. وهذه العقيدة تمثل حقاً شخصياً مشروعاً لكل فرد أو جماعة، ولا يمكن تعميمها على مجتمع كامل، لأن المجتمعات بطبيعتها متعددة ومتنوعـة. لذلك فإن احترام العقيدة المذهبية يعني أيضاً احترام تنوع المجتمع، والاعتراف بحق كل إنسان في اعتناق ما يؤمن به دون إكراه، مع الحفاظ على احترام خصوصية الآخرين وعدم فرض المعتقدات عليهم.
المشكلة لا تكمن في وجود العقائد المذهبية بحد ذاتها، بل في تحويلها إلى أساس للصراع السياسي أو أداة للتنافس على السلطة والنفوذ. فعندما تتقدم العقيدة المذهبية على العقيدة الوطنية في المجال العام، يضعف الشعور بالانتماء الجامع، وتتراجع فكرة الدولة لصالح الانتماءات الضيقة، وهو ما يهدد وحدة المجتمع ويخلق انقسامات عميقة بين أبنائه.
وفي بلد مثل العراق، الذي يتميز بتنوع ديني ومذهبي وثقافي كبير، تصبح الحاجة إلى ترسيخ العقـــــــــيدة الوطنية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
فالعراق لم يكن يوماً بلداً أحادي الهوية، بل كان عبر تاريخه فضاءً للتعدد والتعايش بين مختلف المكونات. وهذا التنوع يمكن أن يكون مصدر قوة وثراء إذا ما أُحسن التعامل معه ضمن إطار وطني جامع.
إن المطلوب اليوم هو بناء مشروع وطني شامل يضع مصلحة العراق فوق كل المصالح الأخرى، ويجعل من الانتماء للوطن مظلة تجمع الجميع. مشروع يتبناه الساسة قبل غيرهم، فيقدّمون مصلحة الوطن على مصالحهم الحزبية والشخصية وامتيازاتهم الخاصة، ويعملون على تعزيز العدالة والمواطنة المتساوية بين جميع أبناء الشعب.
فالعقيدة الوطنية لا تلغي العقائد المذهبية ولا تعاديها، بل تنظم العلاقة بينها داخل إطار الدولة، بحيث يبقى الدين والمذهب مجالاً للإيمان الشخصي والهوية الثقافية، بينما يكون الوطن هو الإطار الجامع الذي يحتضن الجميع .



















