ما الذي يجعل القصيدة إبداعاً – نصوص – كاليب موردوك

أشعر هو أم نثر؟

ما الذي يجعل القصيدة إبداعاً – نصوص –  كاليب موردوك

يبقى النثر والشعر وجهين لعملة واحدة. فكلاهما يعمل على ايصال الأفكار، وكلاهما يكتب بطريقة جميلة . لكن لكل منهما غرضه الحقيقي، فكتابة النثر هي نقل الأفكار، وكتابة الشعر هي نقلنا الى جمال لغته البارعة، وعلى اساس هذا الفرق يختلف الأثنان. فالنثر وسيلة لنقل الأفكار، والشعر انجاز فني. وعندما ينتقل القارئ عبر الكتابة النثرية فأنة يتنقل اساساً من خلال المعنى. ومن المؤكد ان يكون الفرق بين الشعر والنثر واضحاً، اذ يمكن ان يكتب النثر مع اهتمام زائد بجماليته وفي هذه الحالة يعرف بـ “النثر الشعري” ويمكن ان يكتب الشعر مع اهتمام زائد بمعناه وفي هذه الحالة يعرف ب”الشعر المنثور”. لكن الفرق الحقيقي بين الشعر والنثر يبقى قائماً . ماهي الأساليب التي تجعل من الشعر عملاً ابداعياً؟ أن الشاعر يمتلك عدداً محدوداً من الأدوات تقتصر بدقة على: الأستعارة، التشبيه، الطباق، تقطيعات البيت الشعري، تواصل المعنى، الجناس الأستهلالي، توافق الأيقاع، السجع، الصيغة (مقاطع اوسونيتات …الخ)، القافية، الوزن، القافية الداخلية والقافية النهائية (قد اكون أغفلت بعضاً من هذه الأدوات) ولكن ما الذي يتعلق بالشعر ولا يكون احد هذه العناصرـ هل هو الشعر نفسه؟ اعتقد ان الأجابة على ذلك تتعدى الدلالة اللفظية. ففي القرن الماضي، القرن الوحيد في تاريخ اللغة الأنكليزية الذي ساد فيه نمط الشعر الحر، اذ فقد الشعر المقفى الكثير من جمهوره؛ عندما آلت الصيغة الفنية الى حيث الموضوع الذي لم يعد يضم العناصر التي تحددها او ترسم ملامحها، لذا نحن ملزمون بالتساؤل فيما اذا كانت النتيجة فناًَ أو شيئاً أخر. لكن علينا اولاً ان نقرأ نبذة تاريخية:

لقد كان الشعر الحر دائماً موجوداُ معنا الى حد ما، من خلال الشعراء رالف وولد إميرسون، وولت وايتمان الرواد الأوائل في نظم الشعر الحر بشكل واسع لكن ليس الى منتصف القرن التاسع عشر الذي يعد قرن الشعر الحر حقيقة، لقد كانت ثمانينيات القرن التاسع عشر الأنطلاقة الحقيقة والأحتمال الكبير، اذ كان ردة فعل على المتطلبات المقتصرة على الذائقة الفكتورية (وجدت انه ممتعٌ الى حد كبير بسبب الروح الوثابة للشاعر وايتمان والأفق الثقافي الضيق للملكة فكتوريا التي عاشت في العصر نفسه، على الرغم من انهما في بلدين مختلفين). وفي بواكير القرن العشرين، تطور الشعر الحر الى حركة حقيقية بفكر فلسفي معين، ووجدت من يدعو لها امثال ازرا باوند ووليم كارولس وليامس.  لكن شعراء النظم الحر اولئك،  في اغلب الأحوال، استبقوا الكثير من عناصر الشعر الموزون في قصائدهم. فقد كان شعرهم عموماً ابداعاً دقيقاً بالنسبة لتراكيبه الصوتية حتى وان كان لايشتمل على وزن وقافية. وهنا قصيدة شعر حر معروفة لـ “مالكيش” :

فن الشعر

يجب ان تكون القصيدة صريحة وصامتة

كفاكهة مدورة

اللعنة

كأوسمة قديمة معلقة بأبهام

صامتة كأنها كُم مرتدياً صخراً

من سلسلة صخور نافذة حيث تنمو الطحالب

يجب ان تكون القصيدة بلا لفظ

كتحليق الطيور

***

يجب ان تكون القصيدة ساكنة على مر العصور

كما يرتفع القمر

مغادراً، وكما يطلق ومضاته، ومضة تلو ومضة

والليل ينشر شباكه على الأشجار مغادراً، كالقمر خلف اوراق الشتاء

ذكرى تلو ذكرى في البال

والقصيدة يجب ان تكون ساكنة على مر العصور

كالقمر وهو يتسلق صفحة السماء.

***

يجب ان تكون القصيدة موازية لـ :

اللاحقيقة

لكل تاريخ حزن

مدخل فارغ وورقة قنب

للحب

الأعشاب تتمايل ونيران فوق البحر

يجب ان لاتعني القصيدة

بل ان تكون.

قد تكون هذه اجمل قصيدة كتبت بالشعر الحر على الأطلاق. لكن ما هو ممتع فيها هو قربها من الشعر الموزون. إذ يمكن ان يقطع المقطع الأول الى ابيات تضم عشر مقاطع (ماعدا الكلمتين الأخيرتين). هذة الأبيات الجديدة تتضمن خمس تفعيلات في كل بيت، وهي تشكل تفعيلة خماسية رائعة في بحور الشعر والترويشات (الترويشة: تفعيلة مؤلفة من مقطع طويل يتبعه مقطع قصير) كمتغيرات شعرية.

يجب ان تكون القصيدة صريحة وصامتة

كفاكهة مدورة، اللعنة، كأوسمة قديمة

معلقة بأبهام، صامتة مثل كُم مرتدياً حجراً

من سلسلة احجار حيث تنمو الطحالب

يجب ان تكون القصيدة بلا لفظ

كتحليق الطيور.

ان حساب المقاطع في باقي القصيدة لم يكن متقناً، بل يقسم الى تفعيلة خماسية رائعة في متغيرات الطبيعة (لو ان كلمة “ذاكرة ”  memory “mem – ry” تلفظ على انها مقطعين “ذاك ـ رة” وكلمة تاريخ ” his – o – ry” history   تلفظ على اساس ثلاث مقاطع “تا ـ رـ يخ ” :

يجب ان تكون القصيدة ساكنة بمرور الوقت

فالقمر يرتفع؛ مغادراً ، كأن القمر يبعث

ومضة إثر ومضة والليل يبسط شباكه على الأشجار

مغادراً، القمر خلف اوراق الشتاء

ذكرى إثر ذكرى الفكر ـ قصيدة يجب

ان تكون ساكنة بمرور الوقت كأنها قمر يتسلق صفحة السماء

يجب ان تكون القصيدة مساوية لـ:

اللاحقيقة :

من اجل كل تاريخ الحزن، طريق اسفندان فارغ . للحب

الأعشاب تتمايل وفوقها النيران

والبحر قصيدة يجب ان لاتسعى لشيء

سوى لتكون كذلك.

انا لا اقترح ان تكون كل قصيدة شعر حر قابلة لأعادة تشكيلها بالصيغة الموزونة ؛ ولا اقول ان هذه القصيدة التأملية سيكون من الأفضل لو كتبت بالصيغة التفعيلية الخماسية ( بالتأكيد لا!) فوجهة نظري ببساطة تشير الى ان الشعر الحر من الممكن ان يكتب بعناصر شعرية عديدة . فهو لا يحتاج الى ان يكون منثوراً ـ الأ ان قصائد الشعر الحر الأولى مالت الى ان تكتب بهذه الطريقة. ففي قصيدة “فن الشعر” استخدم مالكيش معظم العناصر الشعرية من قافية وجناس وسجع وكانت القافية (تتبع كلا الأسلوبين القافية الداخلية والقافية النهائية، على الرغم من انها لم تتبع نمطاً معيناً) واختار تقطيعات البيت الشعري لزيادة التأثير واستخدم الأستعارة او المجاز استخداماً فاعلاً. كما ان للقصيدة شكلها المحدد، فقد كتبت بثلاثة مقاطع وكل مقطع يتكون من أربعة ابيات ثنائية  couplets .

ان افضل القصائد من وجهة نظري، تلك التي تحتوي على عددٍ من التراكيب الشعرية، وتكون القافية اهم عنصر فيها. اكثر من اي صفة اخرى، فالقافية هي التي تميز الشعر عن النثر. كما اشار جوديسون جيروم في كتابه “كراسة الشاعر”، الى ان النثر حر وغير محدد بقافية يكون فيها التشديد على كل مقطعين من ضمن عشرة مقاطع. وهذا مثال على ذلك (الأرقام تمثل عدد المقاطع من المقطع المشدد السابق) :

6th           JAN and I went to the Supermarket

                      8th

today to buy GRAPES

         6مقاطع             8مقاطع

أنا وجان ذهبنا الى الأسواق اليوم لنشتري العنب

                     3rd

But there WEREN’T any so we

6th          2nd

got PEARS in STEAD

    ثلاثة مقاطع      ستة مقاطع       مقطعين

لكن لم يكن متوفراً فأشترينا اجاصاً عوضاً عنه

   2nd        2nd        2nd

GLORY BE to GOD for DAPpled

2nd

THINGS

مقطعان      مقطعان    مقطعان    مقطعان

الحمــــد لله على فنـــاء الأشيـــاء

             2nd            2nd             2nd

FOR SKIES of COUPLe COLour as a

4th              2nd

BRINDED COW

     مقطعان   مقطعان    مقطعان   مقطعان

لأن سـماوات بلـون مـزدوج كأنـها بقــرة

4مقاطع

مـوشومة

1st           1st                2nd                          FRESH – FIREcoal CHESTnut –

        3rd

Falls,FINCHes wings

1مقطع    مقطعان     1مقطع          شلالات  كستنائية من نار فحم ناضجة

  3 مقاطع

وأجنحة عصافير

 كانت البداية في منتصف القرن العشرين، اذ تم تحرير الشعر الحر من الأوزان حتى تحول بشكل فاعل الى النثر. ولم تكن التضحية بالقافية فحسب، بل كانت التضحية تقريباً بكل العناصر الشعرية ماعدا تقطيع البيت الشعري. وهنا مثال من قصيدة لساندر زولوف  Sander Zulauf

اقتصاد، 31 اب

في عام 1842 باع هنري ديفد ثوريو

قارباً صنعه بيديه

الى ناثانايل هاوثورن بسبعة دولارات

وقد جذف بعقب بندقيته مع اخيه جون

لأسبوعين في أنهار نيوانكلاد.

عندما اخبرت طلابي في الأدب بهذه الحقيقة

حاولت ان اضعها بلغة الدولار الحالي

 مفترضاً ان قيمته قد تكون اكثر

وقد تكون اقل.

كان ثوريو محتاجاً الى المال

فقام برحلة على القارب مع أخيه

كانت الرحلة خالدة

فذكرها في الكتاب الأخير والوحيد الذي نشر له،

بعد أسبوع على الاتفاق وصلا انهار ميريماك

هاوثورن، أصبح العبقري الذي كان

قد اشترى شيئاً مخلداً بسبعة دولارات

قد يحتاج ثوريو إلى أكثر من المال

قد يحتاج إلى نسيان

أخيه الميت.

تبدو هذه القصيدة وكأنها مقالة أخبارية، أليس كذلك؟ ولا زالت هذه القصيدة تستخدم كمثال على عملية الكتابة إذ ذكرت في كتاب مايكل بوغيجا “الفن وصنعة الشعر” ويبقى الشيء الوحيد الذي يميز هذه القصيدة عن النثر هو الوقفات في البيت الشعري، لكن هذه الوقفات ليست كافية لتجعل من هذه القصيدة شعراً. لذا أود ان اعيد كتابة هذه القصيدة على شكل فقرة نثرية لأوضح وجهة نظري، لكنني في حقيقة الأمر لا اعتقد ان ذلك ضروري.

وهنا قصيدة نثرية أخرى كتبها أي. أر. أيمونس:

سكون

قلت أنني سأجد ما هو تافه

وأدون جذور هويتي عليه

فكل يوم استيقظ فيه اجد التفاهات قريبة مني

منصب واحد مناسب والباقي،

قياس جاهز لأهميتي

الصوت الذي اسمع من خلاله

الأمنيات، نوع من الأنانية لأن بمقدوري

أن أملي امنياتي بحرية:

لكن مع هذا بحثت في كل مكان،

فلم اتمكن من ايجاد شيء لأمنح نفسي له: فكل شيء كان (… الخ).

أن أي. أر. أيمونس شاعر قدير ومعروف [ملاحظة: لقد مات الشاعر ولم يكن هذا المقال مكتوباً]، لكن ما الذي يميز هذه القصيدة ويجعلها قصيدة بحق؟ حسناً، انها تحتوي على الكثير من الوقفات. أحياناً تقع هذه الوقفات بعد عبارات مطولة، وأحياناً تقع في تواصل المعنى في عدد من الأبيات، وفي هذه القصيدة لا يوجد الكثير من الجناس فلغتها تتسم بالتكلف، لكن ذلك لا يقتصر على الشعر فقط، فالتنقيط كان على غير المعتاد هو الآخر. بأستثناء ما كان من الوقفات في البيت، فالقصيدة تقرأ بوضوح أكثر كنثر. ففيها قافية حرة وتشديدات النثر متكررة. هنا اعادة لكتابة المقطع السابق على هيأة نثر:

“قلت انني سأجد ما هو تافه واضع جذور هويتي هناك. فكل يوم استيقظ فيه اجد التفاهات قريبة مني، مركز واحد مناسب والباقي، معيار جاهز لأهميتي، الصوت الذي أسُمعَ من خلاله، الأمنيات، “أنواع الأنانية التي بمقدوري اختيارها بحرية: ولكن مع انني نظرت في كل مكان” فلم اتمكن من ايجاد شيئاً امنحه نفسي: فكل شيء هو …(إلخ).

تبدو لي هذه الأبيات أكثر شاعرية عندما تكتب بصيغة أبيات طويلة وقريبة من أسلوب وايتمان:

 قلت أنني سأجد ما هو تافه واضع جذور هويتي عليه:

فكل يوم استيقظ فيه، اجد التفاهات قريبة مني، منصب واحد مناسب والباقي،

معيار جاهز لأهميتي الصوت الذي أُسمّع من خلاله الأمنيات،

أنواع أنانيتي التي بمقدوري اختيارها بحرية:

ولكن مع انني نظرت في كل مكان، فلم اتمكن من ايجاد شيء أمنحه نفسي :

فكل شيء هو (… الخ).

لكن حتى هذا الشكل من الشعر يقرأ على انه نثرٌ أكثر منه شعراً، إذ تعوزه القافية المدوية في نظم وايتمان. كان البيت الأول يتصف بقافية واضحة، لكننا نجدها متفرقة في الأبيات اللاحقة.

اعتقد ان السبب وراء انتشار الشعر المنثور هو سهولة كتابته لكل من يريد، وهو طريقة يمكن من خلالها ان يعبر الناس الذين لا يملكون موهبة شعرية وليس لديهم الحب الحقيقي، للتعبير الشعري عن مشاعرهم الخاصة بأسلوب عام. فالقصص القصيرة والروايات موضوعات طويلة جداً بالنسبة لأغراضهم، وكتابة الرسائل بصراحة ليست شائعة بما يكفي. لكن الأسلوب النثري هذا يفتقر الى كل العناصر الشعرية التي تخلق الجمال بالكلمات. فمثل هذا النوع من الشعر يمكن ان يُقرأ من اجل المعاني المتوفرة فية فقط لا من اجل جماليته. اظن ان هذا الأسلوب النثري الذي يفتقر تقريباً الى جميع العناصر الشعرية، جاء نتيجة حتمية للتطور الطبيعي في الشعر الحر. عندما ابتعد عن اكثر عناصر الشعر اهمية (الصياغة والوزن)، واصبح من السهل التفريط بباقي العناصر. لقد لاحظ جوديسون جيرام إن شعراء الشعر الحر الأوائل ما زالوا يحتفظون بأصداء الشعر الموزون وهي تجلجل في آذانهم، لكن في منتصف القرن نشأ جيل من الشعراء وهم يسمعون الشعر الحر بعيداً عن سماع اصداء الشعر الموزون. فكانت الخطوة الطبيعية عبر هذا الجيل الذي لم يسمع الأيقاع الشعري ليقوم بأزالة اخر الأثار المتبقية (للوزن) من الشعر فما دام الشعراء فسروا كلمة “حر” على اساس انها تعني”من دون ” (كما في: من دون قافية، من دون ايقاع، من دون جناس، … الخ ) حينئذ سيكون للشعر الحر ـ قدره المشؤوم ـ فيتفكك  الى النثر.

ان المحترفين للأسلوب النثري يحاولون اقناع انفسهم ان التعبير باللغة الموزونة غير مرغوب فيه. فهم ينظرون إليها بأعتبارها مفارقة تاريخية او عودة للشكلية المصطنعة. لكن فروست وفرانسيس وأودن وروثيك، بينوا لنا ان الشعر الموزون يمكن ان يكون لا شكلياً وسهل المنال. فالوزن هو ما يمنح القصيدة تركيبها وزخمها؛ اللذين يوصلان القارئ الى خاتمة القصيدة  (تصور اغنية من دون لحن وسترى ماذا اعني) . فبلا وزن تفقد القصائد الطويلة تماسكها وسلاستها ـ مالم تكتب في ايقاع النثر الحر. وهذا يوصلنا الى سبب اخر: لماذا تحلل الشعر الحر الحديث نثر؟ لا يمكن ان يحيا الشعر الحر خلال المقاطع الطويلة من دون ان يفقد حالة الكمال فيه، في حين أن النثر يتمكن من ذلك. نقدّم مثلاً آخر على الاسلوب النثري لهال سيروتيز:

اخيراً قررت ان اتحدث معها

تجلس قبالتي في الباص،

قلت: “تبدو الأشجار اكثر خضرة في هذا الجزء من البلاد.

 في مدينة نيويورك كل شيء يبدو كئيباً تماماً”.

قالت : “تبدو هكذا لي. أرني شجرة مختلفة”.

قلت: “تلك قالت : “أي واحدة؟”

“فات الوقت” قلت “أجتزناها سابقاً”

قالت : “متى تجد واحدة أخرى”،

” دعني أعرف”. بعدها عادت لتقرأ في كتابها.

هذه القصيدة تحتوي على عنصر شعري واحد هو تقطيعات البيت الشعري. إذ تبدو هذه التقطيعات وكأنها أقحمت ليس من أجل أي سبب شعري، بل لتجعل الأبيات تبدو هكذا.

 هنا القصيدة نفسها مكتوبة بشكل قطعة نثر اعتيادية (في فقرة جديدة لكل متحدث كما هو مطلوب في النثر ):

تجلس قبالتي في الباص، قلت : “تبدو الأشجار أكثر خضرة في هذا الطرف من البلاد في مدينة نيويورك كل شيء يبدو كئيباً تماماً”.

قالت: “تبدو هكذا لي. أرني شجرة مختلفة”.

قلت: “تلك”

قالت : “أي واحدة؟”

“فات الوقت”

قلت”أجتزناها سابقاً”

قالت: متى تجد واحدة أخرى ” ، “دعني أعرف”. بعدها عادت لتقرأ في كتابها.

بصراحة، أنا لا أرى موضوعاً في كتابة مثل هذه القصيدة. ليس كونها قطعة نثرية خالصة في كل الاعتبارات وبلغة رتيبة ومملة، بل لأنها لا تقول شيئاً تقريباً ولا توصل فكرة على نحو نثر أو تثير عاطفة القراء. أنها من الممكن أن تكون فصلاً إضافياً في رواية بالأضافة إلى أنها ستكون بمثابة فصل لا يتمتع بالجودة الكافية ليكون في رواية جيدة. بمعنى أخر أنها حتى لم تكن نثراً جيداً. في الأقل حاول ساندر زولوف أن يستدر بعض المشاعر من القراء من خلال ذكر موت أخي ثوريو.

أن كلاً من الشعراء أي.أر. أمونس، ودايان واكوساكي، وساندر زولوف، وهول سيروينز يعدون بالنسبة لي اشخاصاً يعوزهم التوافق الأدبي أكثر من أي شيء أخر. فالصور النثرية الموجزة التي يكتبونها لا تتناسب مع اي نوع أدبي، ومع هذا يسمونها “قصائد” بالخطأ. وبشكل محزن، في منتصف القرن العشرين أطلق شعراء القصيدة النثرية العنان لقرائحهم، وشعرهم الذي تنقصه الجودة ليصبح قاعدة جديدة. فمعظم المحررين نشأوا على قراءة الشعر الحر، وذهبوا بعيداً مع هذا الاتجاه. وقد كان زولوف محرراً في جريدة تعنى بالشعر، ومايكل بيوغنجا، الذي اهتم بشكل كبير بأعمال زولوف، كان معلماً مبدعاً للكتابة. اما القصائد امثال القصيدة سيروتيز المقتبسة اعلاه فأنها تكتب في الباصات والأنفاق من قبل مجموعة من الشعراء في امـريكا كجـزء من مشروعها ” الشعر في حركة  Poetry in Mo tion” مثل هذا الشعر يحجر القلب ويميت العاطفة لدى العامة. ان مسؤولية شعراء الشعر المنثور تشبه الى حد كبير مسؤولية شخص مغولي يملك حقل نفط ومسؤول عن وكالة حماية البيئة ـ مثل هؤلاء الناس لا يتمكنون من حماية شيء بل هم يحتاجون الى الحماية. قد يطلق شعراء الشعر المنثور مقاييس جديدة، لكن ليس هنا من يؤمن بجدية ان اعمالهم التافهة تصبح فناً حقيقياً. هناك فهم ضمني حتى بين شعراء الشعر الحر، هو ان الشعر الموزون المكتوب بإجادة يحتاج الى مهارة اكثر لكتابته. فالشعراء الذين تميزوا عالمياً  كشعراء عظماء في القرن العشرين كانوا: يتس، فروست، اودن، ميلاي وكل الذين كتبوا الشعر الموزون. وحتى وان وسعنا هذه القائمه لتشمل هاردي، روبنس، وليامز، باوند، أليوت، ستيفنس، رويثك، توماس، كومنغس، بروكس، وولبر (واخرين قد اكون نسيتهم)، ما زالوا يعتبرون كتابة الشعر الموزون امراً صعباً.ستهتم الأجيال القادمة بكتابة شعر لا تتخلله أية اجادة. ومثل اولئك سيتركهم التاريخ خلفه فهم لا يتمتعون بالمهارة المطلوبة. لكننا لا ننتظر حتى يمر القرن كي نجد شاعراً معاصراً جيداً. فالشعر الموزون يعيدنا الى الانضواء تحت لواء “الشكلية الجديدة”.