ماذا لو لم أكن بغدادية ؟ – نصوص – طيبة الجنابي
كان صباحاً هادئاً من صباحات اكتوبر الناعسة ،فتحت عينيها ببطء وراحت تحرك النصف الاسفل من جسدها بحركة بديهية ،وقبل ان تجول بنظرها بالغرفة وقعت عينها على عصفورين رماديين ومثل صديقين يلقيان تحية الصباح فيما بينهما راحا يزقزقان بنهم ،كان ذلك على بعد اربعة امتار من سريرها خلف نافذتها المشرعة والتي نسيت اغلاقها منذ ليلة امس! تململت على سريرها وابتسمت برفق حتى رفعت الغطاء اخيراً ،القت نظرة خاطفة على الساعة وكانت تشير الى العاشرة الا ربع صباحا ،وقفت امام المرآة لثوانٍ وتفحصت خصرها الذي اكتنز مؤخرا ” اوه ازداد وزني وصار لزاما عليّ التخفيف من وجبات الطعام والاتزام بالرياضة الصباحية” ،كان اول ما خطر في بالها ان تفتح بريدها الالكتروني على جهاز الكمبيوتر ،اتسعت ابتسامتها عندما رأت مؤشر الرسائل يشير الى واحدة لم تُقرا بعد كانت رسالة من زوجها “اثير حبيبتي ، صباحك خير ،
في أوتاوا كل شيء بهيّ وساحر لكنهُ يبدو قبيحاً للغاية كلما استدرت ولم اجدك بجانبي
شارفت مدة العمل على الانتهاء وساحظى باجازة قريبا ،الجو في كندا بارد جدا كيف هو الحال في بغداد ؟
بالمناسبة حلمتُ بك ِليلة امس وكنتِ اجمل من اي وقت مضى ،لو تعلمين كم من الشوق راكد في جنيبات قلبي اليك ،اشتقت لبغداد ايضا ولكتبي الكثيرة
كيف حال ابنتنا صحيح ؟ اوصلي اليها سلامي الحار مع قبلاتي ” كانت جملته الاخيرة كفيلة بتبديد ابتسامتها الشاردة ،غام وجهها واتسعت حدقتا عينيها ،نظرت الى الساعة مجددا ،وهمت بالوقوف وخلال ثوان وجدت نفسها بالغرفة المقابلة لغرفتها ،لم تكن ابنتها على السرير وحقيبتها المدرسية ليست في مكانها ايضا “من المؤكد انها ذهبت الى المدرسة دون ايقاظي او لعلها فعلت لكنني لم استجب ،اللعنة كيف نسيت” !
كان هذا اليوم الاول لابنتها في السنة الدراسية الجديدة والتي اصبحت بفضلها طالبة في صفها الثالث ،لا تعلم كيف اصبحت امرأة خارقة واستثنائية فجأة ،اخترقت الوقت وخزانة الملابس والسيارة بمدة وجيزة اهلتها للوقوف امام المدرسة خلال دقائق قليلة فقط ،اطرقت للحظة وهي تتأمل البناية واستعادت بعضاً من ذكرياتها الطفولية ،لقد كنتُ فتاة مشاغبة ،قالت لنفسها وهي تترجل من سيارتها الى باحة المدرسة .. لقد كان وقع الخبر عليها قاسيا جدا عندما اخبرها الجميع ان ابنتها لم تأت البتة ولم يرها احد حتى الان، حاولتْ الابقاء على شيء من قوتها واستيعابها لكن قدميها لم تسعفانها ” ماذا سافعل الان يا الله ؟اين هي ابنتي؟ ماذا ساقول لوالدها؟ اضعتها باهمالي ،بنسياني لتفعيل المنبه كي اصحو لايصالها للمدرسة !ماذا لو حل بها مكروه ماذا لو اختطفت ! “والحق ان شوارع بغداد في ذلك الوقت كانت تجوب بها الميليشيات والعصابات وقطاع الطرق اكثر من سكانها
كانت تردد كلماتها وفكها السفليّ يرتجف وكل خلية في جسدها لاتزال غير مستوعبة صعق الخبر ،عندما جاءت صديقتها بعد ان استنجدتها في مصيبتها عبر الهاتف كانت منهارة تماما وتقوم من السجادة لتخر عليها ثانيةً ،اخبرتها صديقتها ان لا تقلقي وكل شي سيصبح على ما يرام وان ابنتها ستعود ولن يحل بها الا خيرا ،في تلك الاثناء رن هاتفها النقال وكان رقما غريبا .وفي حدسٍ اموميّ فريد شعرت ان هذا الرقم متعلقٌ بمصير ابنتها ،اخبروها انهم اختطفوها وان الفدية التي طلبوها منها هينة ويسيرة بحكم الاموال الطائلة التي يملكونها مادام زوجها يعمل في الخارج ! “ساعطيكم كل ما املك ،كل ما تريدون فقط ارجوكم اعيدوا لي ابنتي الوحيدة ،ارجوكم لا تفعلوا بها شيئا ،لا تحاولوا ايذاءها ” .. لكن صرخاتها وتوسلاتها ذهبت سدى ،فقد اغلقوا الخط حال اخبارها بامر الاختطاف ،حاولت صديقتها تهدأتها وقالت ان لاداعي ان تخبر زوجها الان كي لا تشغل باله وانها ستحاول تدبر الامر مع بعض معارفها الاثرياء .
كانت قد مرت ثلاثة ايام على اتصالهم ،وبدا الرعب جليا في قسمات الام ،ماذا لو ماتت من الجوع او الخوف ؟ابنتي حساسة ولا تحتمل شيئا كهذا ، ماذا لو قتلوها ورموا بجثتها في مزابل بغداد المترعة بالضحايا ؟!!
حاولت الاتصال بهم عشرات المرات لكن احدا لم يرد ،وفي صباح اليوم الرابع تلقت رسالة نصية باردة من احد المختطفين الذين دب به عرق الضمير فجأة وقرر حسم امر الانتظار ،اخبرها ان ابنتها المشاغبة قدعضت احدهم من زنده اقتلعت بها نصف اللحم ولان عديم الرحمة والانسانية فَقد اعصابه فقد قام بصفعها وضربها بمؤخرة الرشاش حتى فقدت وعيها تماما وفي صباح اليوم التالي كانت قد ماتت اثر نزف داخليّ! كانت تقرأ الرسالة دون ان تنبس ببنت شفة ،مالذي يمكن ان يقال والفاجعة ابلغ من كل كلام الدنيا ،اي كلمات تلك التي يمكن اقتناؤها في حالة صدمة مثل هذه !تقيأت اطنان الوجع الراكدة في جوفها منذ اربعة ايام ،وانسابت دموعها حارة وحارقة اخترقت صمت المكان والمصيبة !ابتلعت مرارة الفقد حتى لم يعد لها قدرة على فعل شيء .
مرت الايام باردة وثقيلة دون حراك ،انها ابنتها الوحيدة وفلذة كبدها ،ايعقل ان تموت هكذا قبل ان تكمل سنتها الدراسية ،وقبل ان تصبح شابة يفخر بها والداها وقبل ان تدخل الجامعة التي تحب وقبل ان تحقق شيئا مما حلمت به؟ هكذا مثل قطة حبيسة خنقت من حنجرتها ،غير ان القطة كما يقولون لها سبع ارواح من اين آتي لابنتي بروح واحدة تعيدها الى حجري ولو لخمس دقائق؟ اضمها الى صدري فتختلط روحانا مثل دموعنا! كانت الافكار قد شكلت سلسلة طويلة من التساؤلات تكاد تنفجر في رأسها لكنها لم تُخرج من بين شفتيها حرفا واحدا ،
في زيارة من زيارات صديقتها لها كانت تلك الصديقة في حال غير مطمئن ،مثل عجوز تحبس في جوفها سرا غامضا وقررت وقبل ان تموت الافصاح به ،كانت تحمل خبرا تعجز عن نقله وسرده لهول ما يكتنفه من مأساة! فبينما كان زوجها قد سافر نحو بغداد باجازته تلك والتي اعدها مفاجأة لزوجته وابنتهما ،كان ذاهبا بتفقد سريع لشوارع بغداد بعد طول غياب وحين قرر شراء بعض الكتب من شارع المتنبي وفيما كان مترجلا من مقهى الشابندر اندلع انفجار قريب اثناء عودته ،اسلم روحه لخالقها ،وتفحم مثل خرقة كما تفحمت كل الكتب التي كان يحملها بفرح “كان يعد مفاجأة لي ولكن بضرب من ضروب القدر الخفية لم يكن يعلم ان موعدا مثل ذاك ستنقلب فيه الموازين وسيلتقي هو مع ابنته بمفردهما بعالم غير عالمنا ،كان يحمل الكتب وفي رأسه عقلا يشرع النوافذ للكلمات فيحولها ببراعة الى قصيدة حزينة يسطرها على حواف الخيال
ماذا لو لم اكن بغدادية ؟ماذا لو انني من جزر موريشيوس مثلا او من اي قارة نائية يذهب زوجي للعمل كل يوم ليعود اليّ سليما ويده في يد ابنتي حيث لا مجال للانفجار والاختطاف والرعب ،كان كاتبا رائعا واباً حنونا وصدرا دافئا يتسع للكون ،كان يحبني ويحب ابنته وتحمل مرارة السفر من اجلنا ،كان وسيما ايضا وقد انهى كتابة روايته الجديدة قبل عودته بايام ! “
ظلت تهذي احلامها بمرارة تشكلت على هيئة صراخ وتبكي الامها دون وعي وتلهج بكلمات متضاربة وحانقة، ومثل شمعة بالية راح ينطفئ صوتها وجسدها الذي خسر نصف وزنه شيئا فشيء ، وتتراجع الكلمات الى جوفها شيئا فشيء وبدأت اغماض عينيها بتدرج إثر ابر المورفين المهدئة والتي كان قد غرسها الطبيب في وريدها الايسر .


















