ماذا لو سقطت البغدادي بيد داعش؟ – مقالات – صبحي ناظم توفيق

ماذا لو سقطت البغدادي بيد داعش؟ – مقالات – صبحي ناظم توفيق

منذ أشهر عديدة يعيش مركز ناحية “البغدادي” والمنطقة المحيطة به حالة عصيبة من عدم الإستقرار المشوب بإشتباكات وهجمات داعشية عنيفة وأخريات بالمقابل تشنها القوات العراقية ومسلحو العشائر من دون أن يثبت أي طرف جدارته في حسم الموقف لصالحه، فيما جاءت الهجمة التي شنها (داعش) على قاعدة “عين الأسد” بالمنطقة نفسها مستخدماً 25 إنتحارياً بأحزمة ناسفة تقدموا تحت وابل كثيف من قذائف الهاونات وصواريخ “كاتيوشا” صرعهم المدافعون عنها نهار (الجمعة13شباط) الجاري…

 إلاّ أن الموقف في مدينة “البغدادي” تحديداً تردّى يوماً بعد يوم بسبب الحصار الداعشي على أحياء مهمة مكتظة بالسكان حتى أن قائد الشرطة فيها بدا يستنجد ليس بقادته العسكريين والشرطة فحسب بل سمعناه مستنجداً لدى القنوات الفضائية بعد أن ظلت كل من قيادة عمليات الأنبار وقيادة الجزيرة والبادية -في موقف مُقرف ومُخزٍ ومُحزن لا يمتّ إلى الشرف العسكري والإنساني بصلة- تقذفان بالمسؤولية كل على الآخر في أن “البغدادي” ليست ضمن قاطع مسؤولية هذا أو ذاك…

ونحن نقول -إستناداً لأبسط خبراتنا الستراتيجية المتواضعة- أن “البغدادي” رغم كونها مركزاً لناحية تابعة لقضاء يتبع محافظة عراقية كبرى تشكل (ثلث) الوطن، إلاّ أن لها أهمية خاصة في هذا الظرف، ففضــــلاَ عن تبوّئها مرتبة بلدة عامرة متسعة وكبيرة وذات كثافة سكانية مشــــهودة بسبب إنشاء قاعدة جوية وسد كبير على مقربة منها وإطلالتها على نهر الفرات ووقوعها على الطريق الدولي الأقصر نحو الجارة “سوريا”، فإنها على مبعدة لا تزيد عن 10 كيلومترات عن قاعدة “عين الأسد” الجوية -وهي القاعدة الجوية المتكاملة الأحدث والأفضل من جميع الوجوه المحتوية على العشرات من الملاجئ المحصنة لإيواء الطائرات من مجموع 14 قاعدة جوية منتشرة في عموم الوطن، وهي الثانية الأعظم من حيث المساحة بعد قاعدة “الحبـــــانية” وإحدى أهم قاعدــــــتين جويتين إنتقاهما الأمريكيون وسجلوهما -فضلاً عن أخريات كبريات تقع بالقرب من مدن “بلد وتكريت والقيارة”- وذلك في مــــــــتن (إتفــــاقية التعاون الســـــــتراتيجي بعيد المدى) الموقعة مع الحكومة العراقية قبل قرارهم الستراتيجي الخاطئ بسحب قواتهم المسلحة من عموم البلاد أواخر عام 2011 وليس من المستغــــــرب أن يعودوا إليها خلال شهر آب 2014 الماضي بعد إنقضاء ما يربو على شهرين من نكبة سقوط “الموصل” والمحافظات العراقية الأخرى بيد (داعش) مقررين تدريب البعض من تشكيلات الجيش العراقي وأبناء عشائر الأنبار تهيؤاً لإسترداد ما ضاع من الوطن…

فإذا ما إستحوذ (داعش) على بلدة “البغدادي رغم كون هذا الإحتمال بعيد المنال- فستكون “قاعدة عين الأسد” برمتها في أتون خطر محدق، وبذلــــك قد يتراجع جميع الخطط في تهيئة ما أعدتها القيادات الأمريكية ومستشاروها في شان تشكيل ألوية من أبناء عشائر الأنبار وتسليحهم وتدريبهم لخوض عمليات مستقبلية مزمعة لتحرير الأنبار وغيرها من المحافظات المنهارة، وسيُحرَم الأمريكيون من إستثمار هذه القاعدة الضخمة في عمل طائراتهم الناقلة للأسلحة والمعدات والتجهيزات التي تتطلبها خططهم التدريبية، ناهيك عن قطع الطرق المعبــــدة التي تربط “البغدادي” مع كل من “هيت-حديثة-الرمادي”، وبذلك تـُحرَم القيادات الأمريكية من إستخدام القاعدة ذاتها لإنطلاق مقاتلاتها المتنوعة وطائراتها من طراز (A-10) وسمتيات/هليكوبترات “آباتشي” المصممة من حيث الأساس للهجوم على أهداف أرضية قريبة لإسناد القوات البرية المهاجمة أو المدافعة، ومن المحتمل كثيراً أن لا تـُعَدّ القاعدة ذاتها -في حالة تردّي المواقف العملياتية والتعبوية/التكتيكية- بقعة آمنة تأوي آلافاً عديدة من المتطوعين للتدريب على فنون القتال في قادم الأيام إن إستطاعوا البقاء بنوع من الأمان في مبانيها ومنشآتها وساحاتها بسبب محدودية إستشعارهم بالطمأنينة لإحتمالات تعرضهم للقصف بالهاونات والصواريخ عن بعد عدة كيلومترات ناهيك عن إمكانات الهجمات على محيطها بالمدافع الأحادية وسواها من الرشاشات الثقيلة والمتوسطة المحملة على شاحنات أو سيارات حمل ذات دفع رباعي التي يمتاز (داعش) بإستخدامها…

ولكــــل ذلك ينبـــــغي على كل من قادة عمــليات الأنبار وعمليات الجزيرة والبادية أن لا يتشبثوا في تحديد قواطع المسؤوليات وفقاً لواجبـــــات الأركان التي تعلموها في المؤسسات العلمية العسكرية العليا -إن كـــــــانوا قد إجتازوا دوراتها- ليتنصلوا من الإندفاع للحفاظ على “البغدادي” ومحيطها وأن يضعوا مصلحة الوطن وأرضه قبل كل شيء ويلبّوا إستنجاد من هو محاصر فيها كي يدرأوا الخطر عن إبـــــادة أهليها على يد (داعش) ولا يتسببوا في تعرض أولئك لمذبحة مشابهة كالتي حصلت في “قاعدة صلاح الدين/سبايكر” الجوية.

فالقيادتان هما الأجدران والأقربان لإنقاذ الموقف والحيلـــــــولة دون وقوع “البغدادي” بين يدي (داعش).