مأساة الطبيب المقيم الدوري – ثامر مراد
الحياة مكتظة بالصور المأساوية في كل ميدان من ميادين العمل على إختلاف أنواعها ومجرياتها. كل عمل مهما كان مُهماً أو بسيطاً تكتنفهُ معاناة ومشاكل تجعل من ذلك العمل جحيماً للفرد الذي يمارسه. من خلال تجربتي الطويلة في هذه الحياة صادفتني مشاكل تتعلق بكل ألأعمال..ألأعمال التي قمتُ بها شخصياً والأعمال ألأخرى التي مارسها ألأصدقاء والمقربون والمعارف وتوصلت إلى نتائج كثيرة تتعلق بحركة الحياة. المدرس يعاني وبنّاء البيوت يتألم والخبير في مجال الطاقة يصرخ ألماً والموظف والجندي والضابط والمهندس وحتى عضو البرلمان . تتباين المعاناة من وظيفة إلى أخرى والنتيجة النهائية أن الجميع يعاني من شيءٍ ما. هناك معاناة تنتهي بحدود ساعات العمل ولايعاني منها الفرد إهانات نفسية أو إعتداء على العامل أو الموظف. من خلال إطلاعي على بعض المهن المهمة جداً في حياة ألأنسان – هي مهنة الطبيب- بسبب قربي من أحد ألأصدقاء وبالذات – الطبيب المقيم الدوري- وما كنتُ قد سمعته من حكايات كثيرة عن المضايقات التي يحصل عليها هذا – الشاب – كونه لازال في الخطوات ألأولى من مراحل عملهِ الصعب المرهق جداً. الطبيب الدوري المقيم هو موظف يمتهن الطب بعد تخرجه من الجامعة وإنتمائه الى إحد المستشفيات. عادة مايكون مندفعاً في بداية حياته ويحاول أن يبذل أقصى مايستطيع كي يثبت جدارتهِ في مساحة العمل الواسعة الممتدة أمامه. حينما ينخرط في العمل الميداني يواجه صعوبات لم يكن يتوقعها قبل قدومهِ الى ذلك المكان. بنظري الشخصي يُعتبر الطبيب الدوري المقيم – موظفاً مسكيناً من الدرجة ألأولى – لعدة أسباب. هو لايملك عيادة وحالتهِ المادية مزرية- يستثنى من هذا من لديه عائلة متمكنة مادياً – لأنهم يوفرون له كل شيء. أنا أتحدث عن الفقراء الذين نجحوا ووصلوا الى هذا المكان بكفاحٍ مرير. ربما يكون متزوجاً وليس لديه بيت خاص أو يستأجر بيتاً . ليس لديه سيارة لأنه في بداية حياته . أو ربما يكون قد إقترض مبلغاً بسيطاً وحصل على واحدة قديمة لتسهل عملية ذهابه وعودته للمستشفى. راتبه ربما يصل الى المليون والحقيقة أن إبن صديقي يستلم – 825 ألف دينار فقط- ولم أتدخل في تفاصيل السؤال عن هذا السب. وهذا يؤشر على أن ساعة العمل التي يقوم فيها مهما كانت خطورة العمل هي -2100- دينار في الساعة الواحدة. ساعات العمل التي يمارسها في اليوم الواحد هي من 10 الى 17 ساعة في اليوم. يقضي قسماً كبيراً منها في الطواري في الليل- وأتمنى أن لايشاهد أي شخص هذا القسم في العراق وما تعنيه هذه العبارة – والقسم ألآخر من تلك الساعات يمضيها خفراً في الردهات وقسم آخر يقضيها مع ألأخصائي ويهتم بمرضاه بعد تركه المستشفى.
أما الساعات المتبقية المخصصة لراحتهِ فعليهِ أن يقضيها مستلقياً على فراشهِ – على أن تكون إحدى عينيهِ مفتوحة بحذر شديد – كأن يتوقع هجوم مباغت عليهِ في أي لحظة من تلك اللحظات كجندي مقاتل ينام على الساتر المباشر لميدان الهجوم. من الممكن أن يصرخوا عليه من خلال المكبرات الصوتية أن يحضر فوراً بسب توافد عشرات الأجساد الممزقة بأنفجار ما. .أو ربما حدث حادث مأساوي وبقية ألأطباء يتعرضون الى ضغوط عالية ومن هنا يستنجدون به لمساعدتهم. لاأحد يعنيه ما تكون عليه حالته النفسية أو الجسدية لأنه آله بشرية عليه أن يكون موجوداً مهما كانت ظروفه. هو لايتذوق طعم النوم أو حتى تناول وجبته من الطعام. حينما يصل الى ميدان المعركة – الطوارى والردهات- يكون من أكثر ألأفراد الذين تحدث لهم إمكانية التعرض لخطورة ألأمراض المعدية لأنه أول شخص يلامس المريض قبل تشخيصه للمرض ومن الممكن أن ينتقل إليه المرض دون أن يشعر. في الردهات يكون الرجل ألأول والمباشر لملامسة المرضى مهما كانت إصاباتهم وعندها يكون قريباً جداً من خطورة المرض. في جميع المهن التي نمارسها في حياتنا نستطيع أن نرفضها إذا شعرنا بأي خطورة تواجهنا فيها أو تشكل خطر مباشر على حياتنا إلا الطبيب. ” ..ملاحظة ..في إحدى المرات أراد أن يرسلني مديري الى مكان خطر فيه موت وخطف لتصوير برنامج معين في قناة عالمية وقبل أن أصل المكان أخبرته بخطورة الموقف..صرخ بأعلى صوته يأمرني بالعودة مع الفريق فوراً وليذهب البرنامج الى الجحيم ” . الطبيب الدوري الشاب – المسكين- يواجه كل شيء وينفعل ويبدأ بالصراخ على كل الفريق المكلف بمساعدته في الطواريء ويشعر أن قلبه يدق 100ضربة في الدقيقة ووجهة يصفر كأنه أعلن ساعة الموت ” وينخطف” لونه حينما يجد أمامه أم طفل صغير سحقته سيارة وهو بين الحياة والموت..وأمه تلطم وتتوسل بالشاب أن ينقذ طفلها الوحيد – الذي جاء الى هذه الحياة بعد معاناة كبيرة- لايحق للشاب الطبيب أن يبكي أو يذرف أي دمعة على مأساة ألأم لأنه بالنسبة لها آلة بشرية وُضِعَتْ هنا لأنقاد إبنها الصغير. من المؤكد أننا لانشعر بحالة الطبيب الشاب لأننا لم نتوغل في حياته العملية ولا نعرف شيئاً عن أسرارها المرهقة. من شك في إنسانية الطبيب عليه أن يراجع إنسانيته ويفكر ما هو الشيء الذي قدمه للإنسانية من خلال عمله وعليه أن يكون منصفاً مع ذاته بغض النظر عن أي شيء آخ .
ألأطباء هم وسيلة الله على ألأرض للشفاء – عن طريقهم يشفي عباده- وجعلنا لكل شيء سببا- إذا جلس مريض في بيتهِ وظل يدعو الله أن يشفيه سيبقى على حاله لأن الله سبحانه وتعالى جعل لكل شيء سبباً. لو كنتُ رئيس العراق لمنحت الطبيب الدوري المقيم أعلى راتب في تاريخ العمل الحكومي. اللهم أشف مرضانا جميعاً ومرضى المسلمين عموماً وعاش العراق وعاشت مهنة الطب ألإنسانية. ملاحظة : على خلفية ألاعتداء الهمجي الذي حصل في مستشفى المناذرة.



















