حوار مع الأديب مهند الشهرباني:
لولا أنت لما كانت الأبجدية تتعطر أو تمسك البندقية – مقالات – وسام قصي
يمكن القول عن هذا الزمن بانه زمن الحداثة والعطاء والتغيير والاختلاف – لا خلاف – الذي ينبع منه كلّ ما هو خلاب وغير اعتيادي, فقد برز فيه أسماء بارزة، كان لها الأثر الكبير في اختصار المسافات للأجيال الآتية من بعدها ، فنحن نعتزّ ونفتخر بكتاباتهم الإنسانية العميقة أينما ظهرت .
فالأديب الحصيف القدير المبدع هو الذي يسخر جلّ ما حوله، لأجل انفجار رغباته وأفكاره وأحلامه السجينة والمختفية داخل أغواره .
فهدف الأديب الحقيقي هو إطلاق سراح أفكاره الخصبة، من الفضاء الداخلي إلى الفضاء الخارجي كيف ما كان الأسلوب المستخدم في التعبير وفي الطرح؛ ولأن العمل الجاد هو الذي يبرر حضوره ويمضي به إلى عوالم الخلود، والأديب مهند الشهرباني اشتغل بوضوح وهدوء على التجديد المتواصل في كتاباته الشعرية القصصية، وفي زمن إبداعي، أثبت تفرُّده، وتحددت ملامح اتجاهه لديه ولدى المهتمين بتجربته أو مرحلته…
حرصت في هذا الحوار على تتبع أهم الآراء الإبداعية والجوانب التجديدية في المشروع الإبداعي للشهرباني، ولنبش بعض القضايا الثقافية كانت لنا هذه الوقفة معه.
{ من هو مهند الشهرباني..؟
– أنا مهند الشهرباني في كلّ الأحوال والظروف.. ربما تتجاذبني بعض اللحظات لأكون عيناً للكاميرا أو أذناً لاقطة في موقف ما ليتغلب الشاعر أو القاص بداخلي على الشخص العادي الذي هو أنا، وفي كلّ الأحوال فإننا جميعا نتاج خلفياتنا الثقافية والاجتماعية والأسرية والميزة الوحيدة التي أسهمت في تكويننا نحن جيل الستينيات، هو إننا جيل حروب وانتكاسات على جميع المستويات.
* ما الذي يوجعك وأنت تطوي المسافة بين مدينتك وغربتك…؟
– لن أقول جديداً فوق ما قيل فأكثرنا يعيش غربته أن كانوا في الداخل أو في الخارج، ولعلّي ما زلت مبتدأ في عالم الغربة، رغم إني قد تركت مدينتي لثمانِ سنوات قبل سفري خارج العراق، وما يوجعني حقاً هو أنّ بلدي وأبناءه يتناسون حقنا في الحياة حين تغلق كلّ الأبواب في وجهنا، فلا مناص لنا غير أن نترك بيوتنا ونحمل ذكرياتنا ونرحل.. هو وجع حقيقي لكنه (وهذا رايي الشخصي) أسهل من انتظار الموت في بلد لا يقدّر الحياة.
{ (وطن على بعد امرأة) ماذا أعطاك وماذا اخذ منك ؟
– كتابي الأول أخذ مني أكثر مما أعطاني، فقد صار لزاماً عليّ أن أتحسس خطواتي جيداً قبل أن أسلك أي طريق، بعد أن كنت أمتلك الحق بالخطأ قبل أن يكون لي منجزاً مسجلاً بإسمي، وهذا العبء يجعلني أفكر طويلا بمن يسبق اسمه بلقب شاعر أو كاتب فكيف يمكن أن تأتيه الجرأة على حمل هكذا أمانة؟!فقد أعطاني هذا الكتاب حق الفرح الذي أحسسته وانا أراه يتنقل بين أيدي الأصدقاء في العالم، فصارت مكتبات الأصدقاء وطنا له وأكثر ما منحني هو التفاف أسماء رفاق لي ساعدوني في جمعه وترتيبه وتنقيحه بجهد أقل ما يقال عنه إنه مضني؛ بسبب مزاجيتي أولاً ولأني صعب الإرضاء ثانياً، وهذه فرصة جميلة لتقديم شكري لهم وهم القاصة الرائعة “زينب فخري” والشاعرة الأنيقة “نجوى هدبة” وابن قلبي الشاعر الجميل “أحمد كلكَتين”
{ حدثني عن علاقتك مع المرأة …هل أنصفتها أم هي من أنصفتك أم أنكما في قطيعة شعرية لا زلتما تبحثان عن منصة التوافق ..؟
-لا أريد أن أكون مثالياً فيما يخص المرأة، دون أن انسى ولو لحظة أنها المحرّك الأول لما أكتبه إن كان غزلاً أو غضباً أو حنيناً أو .. أو .. ولكني لا ابحث عن التوافق معها، فنحن ضدّان فيما يخص مشاعرنا أو إبداعنا، فأنا أريد أن أفرض قناعاتي وهي تريد أن تثبت تفوقها العاطفي الذي بالأساس أنا مؤمن به وبعيداً عن الإنصاف فيما بيننا، فأنا أحاول دائماً أن أنبّه المرأة بان تنقل ساحة معركتها إلى بنات جنسها؛ لأن الرجل ليس عدوّاً للمرأة بلّ هي عدوة نفسها وعدوّة أختها وصديقتها وجارتها.
وأريد أن أطيل كثيراً في هذا الموضوع فربما لن تسنح لي فرصة أخرى فعذرا لك وللقارئ .. صادفت كثيراً من النساء يرددن عبارة كازنزاكي على لسان زوربا “إن الله يغفر كلّ الذنوب والخطايا… إلا أن تترك امرأة تنام وحيدة” الغريب أن من تقول هذا هي امرأة شرقية ترفض حتى كلمة الغزل البريئة فكلمة “ما أجملك” تعدّ إهانة للمرأة الشرقية إذا قيلت لها في الشارع، ولهذا تكثر لدينا العوانس والمطلقات، وهذا لا يعني أن الغرب المنفتح لا يعاني، ولكنه بالمقابل تجاوز كلمة “ما أجملك” إلى كلمة “ما أشهاك” وهذا برأيي تعدياً سافراً لطبيعة المرأة التي تحب أن يصل إليها الرجل بطريقة لطيفة وليست فجّة.
أنا لا أداعب غريزة المرأة، ولكنّي لا أستحي أن أقول لها بأن (الحياة بدونها تنقصها الحياة)، ولا يهمني أن تغضب مني أو تزعل ففي النهاية أنا أرضيت الرجل والشاعر بي دون أن أنتقص منها.
{ أما تزال العناصر التقليدية للقصة على ذلك القدر من الأهمية في النصوص الحديثة؟ وبرأيك هل ينقص مستوى القصة إذا خلت من بعض هذه العناصر؟
– غالبا نتعامل مع القوانين على أنها رادع ولم نتعامل معها على إنها تنظيم للحياة، لهذا يمكن أن نتعامل مع العناصر التقليدية على إنها وضع حدود لعدم اختلاط الأنماط الإبداعية، ولكن دائماً سنجد من يقف في طريق انسيابية العمل الإبداعي بحجة الشروط والقواعد متناسين بأن الكتابة في حدّ ذاتها (واقصد الإبداعية منها) هي كسر لكلّ ما هو متعارف عليه وإعادة بناء اللحظة. لو إننا اكتفينا بما هو متعارف عليه لاكتفينا من الكتابة وصمتنا فنحن دوما نحتاج لطريقة أخرى لقول كلمة “احبك” مثلاً فأي قانون سيمنعني من إيجاد طريقة أخرى لقولها؟!
{ أنت شاعر وقاص فإيهما الأقرب إلى مهند الشهرباني …؟
– يجبرني الموقف الذي أكون فيه على إبراز الشاعر أو القاص في الواجهة، فهناك ما يستوجب قصيدة وهناك ما يستوجب السرد ومع هذا تعجبني أراء كثيرة قيلت لي من أصدقاء أثق بذائقتهم الجمالية، وهذه الآراء تقول بأني أرسم قصة اللحظة بالشعر وهذا يعني باني أجمع بين القاص والشاعر، إضافة إلى الرسم الذي لا أجيده بالفرشاة وأتمنى أن أجيده في الكتابة كما قيل لي.. على العموم الأقرب لي هو أن أكتب دون تسميات .
{ هل أنت َ مشاكس أم معاكس أم أنت َ في خصام مع محيطك الكوني الذي جعلك وحيداً تبحث عن وطنك الذي تراه قد سلب َ منك عنوة ً؟
– لنتفق أولاً على إنّ المشاكسة أو المعاكسة هنا هي للتأثير الإيجابي وليس السلبي.. حسناً يمكنني أن أقول بأني أحب المشاكسة، ولكنّي لست ضد تيار ما عدا تحفظاتي بما يخصّ التابوات التي تربينا عليها، والتي لا يخفى عليك ولا على القارئ اللبيب أنها السبب في كلّ ما يمرّ به بلدنا، فلا زلنا نحرّم ونحلل كما يطلب منا أولي الأمر فيما يخص السياسة والدين؛ لأننا نخشى الخوض فيها، ثم يأتي التابو الثالث ليكون طامتنا الكبرى بسبب كلّ هذا الكبت الذي نعانيه لجهلنا فيه وخوفنا منه، فالخطوط الحمر نحن من يضعها بالتراضي وأنا ارفض أن أراضي ذوقاً لا يحترم ذوقي، ومن هنا تأتي المشاكسة وفيما يخص وطني فالحديث عنه يشبه الحديث عن لعبة قمار لا يربح فيها المتفوق، بلّ المحظوظ والمأساة إن المحظوظ الأبدي في هذا البلد هو السياسي الذي يجعل من ميكافيلي ربه ونبيّه وهم الأغلبية الساحقة.
{ ما سرّ الجفاء بينك وبين الوطن الذي هو اليوم يبحث عن هوية المعنى والخلاص من الغياب والاغتراب ..؟
– هو ليس جفاء بقدر ما هو عتاب وغضب على كلّ ما أوصل الأمور إلى هذا الحد، في بلد هو الأغنى مادياً وثقافياً على مستوى العالم، ثم يتبع هذا العتب والغضب الف علامة تعجب على هذا الكمّ من الخديعة التي كنّا نعيش بها تحت مسميات العروبة والإنسانية ودين الرحمة.. هو ليس جفاءً بلّ صرخّة مؤلمة لهذا التداعي الذي سببه الأول نحن ثم الجار ثم الغرب بتسلسل قوة المؤثر.. هو زعل ربما يقول عنه البعض كما قيل في الأمثال الشعبية (زعل العصفور على بيدر القمح) ولكنّي أعتقد بأن زعلى والملايين الذي مثلي ليس زعلاً هيّناً على العراق.
{ هل تجد إنّ الجرأة في الشعر سلاح للإبداع ؟؟
– ما يمكن إنّ تسميه جرأة اسميه أنا تميّزاً، وأقسم لك بأني لا أجبر نفسي على قول ما يستفز القارئ، بلّ يأتي عفواً غير مخطط له، ومع هذا كي لا يقال عني بأني أتبرأ من جرأتي، فأنا أجد بأن خوض الخطوط الحمر ليس سلاحاً للإبداع ولن يكون، بلّ هو وسيلة للتعبير تختلف من كاتب لآخر حسب رؤيته لإمكانيات النصّ وإمكانياته الشعرية والقصصية أيضا.. هي دعوة لعدم الخوف وليس للإنحلال .. دعوة للحرية المسؤولة وليس للتحرر المنفلت وأعتقد بان القارئ اليوم يمكنه التمييز بين الاثنين.
{ هل تؤيد كتابة الشعر أو الاستشهاد به في القصة؟.. أم إنّ ذلك مخالف للقواعد..
– لماذا نصرّ على كلمة قواعد؟! يمكن أن نقول بأن القصة لا تحتمل نصاً شعرياً في سياقها، ولكن ما الضير من الاستشهاد ببيت شعري أو مقطع منه للتوضيح أو لزيادة الرتم الدرامي للقصة ؟!
{ قلة هم الذين يمكن أن نلقبهم بشعراء القصة .. فهل أنت مع تعميق التخييل والشعرية في القصة؟
– كلّ ما زاد عن حده سينقلب للضد .. نعم أنا مع التخييل والشعرية في القصة، لكن ليس إلى الحدّ الذي يفقدها سرديتها، والا تشابكت التسميات على المتلقي.
{ ما هو الضمير المستتر في أدبكم؟
– كان يمكن أن يكون هناك ضمير مستتر لو إنني تعاملت مع التابوات التي نعرفها بحذر، لكنني لا أخشى التصريح عما يدور برأسي وحتى الانتقاص من شخصي وانا حين أراني على خطأ، ولكن على العموم يعاتبني الكثيرون على إنني أضع تلميحاً لرفضي الدين حتى في النصوص التي تتحدث عن الحب والجنس وربما كان هذا هو الضمير المستتر الذي تقصده.
{ في ظل الانشغالات اليومية وصعوبة النشر الورقي، هل أصبح السبيل الوحيد أمام الشهرباني هو النشر الإلكتروني؟
– هل هو السبيل الوحيد أمامي أنا فقط؟! لكني اؤشر هنا إني مع النشر الورقي رغم صعوبته وتكاليفه، ولكن ليخبرني أصحاب دور النشر كم منهم يهتم بالمادة المنشورة أكثر من اهتمامه بالربح المادي الذي هو من حقهم طبعاً، ولكن ليس إلى هذا الحدّ في تسفيه الشارع الثقافي بمنشوراتهم.
وحين أرى كتابي بيد الأصدقاء أحس بنشوة تفوق عدد التعليقات والإعجاب الذي أحوزها في مواقع التواصل الاجتماعي، وبنفس الوقت وفي ظل صعوبة انتشار المنشور الورقي، ونحن نعيش هذه الحدود التي فرضها علينا تجّار الحرب فاعتقد إن النشر الإلكتروني ليس سبّة ولا انتقاص لجهود الكاتب وهو ليس ترويجا فحسب وإنما مشاركة فاعلة بين الكثير من الثقافات.
{ تتعدد مدارس القصة الحديثة.. فهل تصنف نفسك ضمن واحدة منها، عربية أو غربية؟
– أبتسم وأنا اقرأ هذا السؤال؛ لأنني ضد المدارس وضد التصنيف ولا يشغلني هذا الأمر أطلاقاً، ويكفي أن تخبرني ابنتي الصغيرة بأن هذا النص جميل لاعتبر نفسي مدرسة قائمة بذاتها.
{ ما طقوس الكتابة لدى الشهرباني ؟ وهل هذه الطقوس تكون واحدة في كتابة الأجناس المتعددة التي تتقنها؟ أم إنّ لكل جنس أدبي طقوسه؟
– هل ستستغرب أنت أو القارئ حين يعلم بأن لا طقوس عندي لحظة الكتابة؟ ما يسجّل ضدي أني مزاجي وكسول فيما يخص الكتابة والدليل إنّ لقاءنا الصحفي هذا تأخر لأكثر من 3 اشهر ليتمّ. نحن يا عزيزي لا نمتلك ترف الطقوس.
{ ما رأيك بالمقولة “الأدب الجيد يفرض نفسه” هل يستطيع الأديب أن يجد القارئ المنصف، بدون مساعدة الإعلام؟ وهل سببت هذه المقولة ضياع الكثير من المواهب؟
– أخبرتك بأن هذا السؤال لوحده يحتاج لقاءً كاملاً، ولكنّي مجبر على الاختصار هنا.. كيف يفرض الأدب الجيد نفسه في ظل كلّ هذا الفضاء المتنامي من الشبكات الإعلامية المبرمجة والمؤدلجة؟ نظرة واحدة لحصيلة يوم من متابعة الفيسبوك مثلاً، سترى فيه أسماء معدودة لشعراء وكتّاب صرنا نحفظ كلّ ما قالوه بسبب التكرار، ولكي يجد الكاتب الجديد مكانه بين هؤلاء، عليه أن يمتلك منظومته الخاصة من الأصدقاء والإعلامين وأكبر مصيبة تواجه الكاتب الآن هي: مصيبة النقّاد الذين كانوا فيما مضى يبحثون عن النص الجيد ليكتبوا عنه، فصار الكتّاب الآن يدفعون للنقّاد ليكتبوا عنهم، وصارت العلاقة معكوسة تماماً وبدل أن يشتهر الناقد بنقده الموضوعي صار يحسب حساب الفائدة المادية عما يكتبه. هناك أسماء شابة تستطيع أن تشغل الساحة بالرائع من نتاجها لكنّهم يفتقرون لمن يبشّر بهم.
{ في محطة رحلتنا القصيرة هذه لابد من كلمة لك .. فماذا تقول لي ولهم ولها…؟
– لكَ أقول شكراً؛ لأنك تكبدت عناء احتمالي .. لهم أقول اقبلوني كما أنا .. لها أقول لولا أنتِ لما كانت الأبجـــدية تتعطر أو تمسك البندقية.

















