لماذا يكذبون ؟
يعرف علماء النفس اللغة بأنها مجموعة إشارات تصلح للتعبير عن حالات الشعور أي عن حالات الإنسان الفكرية والعاطفية ومفهوم ذلك اننا وسعنا مفهوم اللغة لتدل على جميع اللغات وما لغة الكلام إلا واحدة من تلك اللغات, غير إن اللغة قد تكون مانعا من الاتصال الحقيقي بين الكائنات.
هناك مثلا الدور الذي يلعبه الكذب في منعه الاتصال بين الناس ثم ان الكلمة احيانا تفقد معناها ولا تعود تحمل المعنى الحقيقي لها .
لقد أثبتت الدراسات النفسية أن اكثر الناس يكذبون حرصا على مصالحهم ولا يجدون في هذا الكذب (الكذب الأبيض) خطا أخلاقيا وتلعب الحالة النفسية دورا كبيرا في الميل إلى الكذب فقد اكتشف الأطباء النفسانيون أن مرضى الكذب يعانون من العصبية والتوتر والضيق النفسي وأنهم يستعملونه كوسيلة لإخفاء ما يمرون به من متاعب نفسية ولكن هناك أناس مصابون بهذا المرض وهم فئة قليلة إنهم يستبعدون الصدق من حياتهم فيصبح بعيدا عن كل لفظ يلفظونه والكذب في حالتهم تلك يعتبر مرضا نفسيا ترجع اسبابه الى اضطرابات نفسية عميقة ولا يعالج الا عن طريق العيادات النفسية ويتطلب فترة طويلة جدا من العلاج المستمر.
ان الميل الى الكذب يختلف بين شخص وآخر ولكن في مواقف الحياة العادية اليومية فانه ياخذ نفس الاتجاه تقريبا والشخص العادي يضطر الى الكذب نحو ثلاث مرات يوميا ونحو الف مرة في السنة ومن بين المرضى موظف كان يكره عمله ولكنه لا يعترف بذلك ولا حتى مع نفسه لهذا فهو يتكلم طوال الوقت عن العمل العظيم الذي يؤديه وعن اهمية هذا العمل الخطير علما انه لا يحمل معه قلم يكتب به ويذهب الى دائرته بملابس غير مكوية وحذاء ممسوح من الاسفل يدلل على اهماله وعدم مبالاته وكثيرا ما يذهب الى الدوام متاخرا فيكذب على موظف الاستعلامات ويدعي بانه مصاب بمرض السكر والضغط (والعياذ بالله) وعند وصوله الى دائرته يذهب الى مسؤوله المباشر ويكيل له المديح والثناء حتى لا يحاسبه على التاخير ومسؤوله لا يبالي لانهما مصابان بنفس المرض.
يقال ان اقل الناس كذبأ وأكثرهم صدقا هم العلماء أولاَ يليهم الباحثون الذين يعملون في المعامل ثم المهندسون وهم لعلهم من الناس الذين تعتمد اعمالهم على المقاسات الدقيقة التي لايمكن تجاهل المليمتر الواحد فيها .
ولو ان الكثير من دوائرنا الحكومية تعج بعدد كبير من المهندسين الذين يفترشون الارض يتحدثون لبعضهم عن افكارهم السياسيه والعشائرية والعائلية والكثير منهم يطل علينا من خلال الصحافة الخاصة والعامة بزيادة الانتاج وتضخيم الانجازات الجبارة التي يقومون بها وكما قال احد خطباء الجمعة بأن من يشاهد الفضائيات العراقية ويقراء الصحف اليومية والمجلات يعتقد بأنه سوف ينهض من نومه مبكراَ ويرى العراق الجديد فيه شقق عملاقة وسيارات حديثه وشوارع معبده ولايشعر فيه المواطن باية ازمة سوى(أزمة المياه) لانها ازمة خارجية جائتنا من دول الجوار.
اما ظاهرة الكذب في حق الانبياء كما في واقعة إبراهيم الخليل (ع) حينما كسر الأصنام وأبقى كبيرها فقط فلما سئل ((قالوا اانت فعلت هذا بالهتنا يا ابراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا فاسئلوهم ان كانو ينطقون)) وقيل معناه سلوهم ان نطقوا يصدقون وان لم يكونوا ينطقون فليس هو الفاعل فقوله هذا من باب المعارضة وهي بعيدة عن الكذب كما يتصورها البعض.
اما اكثر الناس ميلا الى الكذب هم الممثلون ثم السياسيون والصحفيون والفنانون لما يقتضيه عملهم من خيال واسع ولا ننسى التلفزيون وقنواته ألفضائية والإذاعات والصحف ولا أتردد في ان اغلب ما تاتي به هذه الاجهزة الاعلامية هو نوع من انواع الكذب والمبالغة بالحدث ولا ينهض على اساس من العلم .
المشكلة عندنا ان من يتصدون للكتابه ليسوا من الدارسين النفسانيين والدارسون النفسانيون ليسوا ممن يجيدون الكتابه لاجهزة الاعلام المختلفة.
اقول هذا لانني كثيرا ما اصتدمت باخطاء في هذا البرامج التي تعالج مشاكل الناس ….. الناس الذين يعانون من مرض الكذب والقلق وحرام ان نقدم لهم ما يزيد من قلقهم .
ومن أخطر أنواع الكذب (كذب المسئولين) الكبار في الدولة من نواب ووزراء وقضاة ومفتشين عموميين ومدراء عامين حينما يكشفوا عن ذممهم المالية لهيئة النزاهة العراقية عندما تحركت تلك الهيئة إلى المصارف والدوائر المعنية للتأكد من المعلومات التي قدموها عن أنفسهم وزوجاتهم وأبنائهم فوجدت أغلبها غير صحيحة وتتعارض مع الحقيقة وهذه واحدة من مسلسلات الكذب العام في المجتمع العراقي الجديد إلا وهي (كذب المسؤولين الكبار في الدولة).
لقد تحدثت يوما الى احد المديرين …. وكان قد ارتفع من طفولة فقيرة الى النجاح في الوصول الى منصبه الحالي .
وعزا نجاحه الى فلسفة اخذها من ايام طفولته في الشوارع وقال (لقد علموني ان العالم غابة …انه الواحد ياكل الاخر .. وعليك ان تتغلب على الشخص الاخر اولا والا تغلب عليك).
كان للرجل جو عدواني فظ قد يفسره البعض على انه ثقه بالنفس تماما وهكذا بالرغم من المظهر الخارجي للثقة بالنفس الذي يبدو على هذا الرجل فان عدم اطمئنانه الداخلي قد استنفذ المتعة في حياته.
ان قانون الغابة الذي يؤمن به هذا الرجل يتطلب يقظة وحرصا دائميين فليس له حياة او هوايات اخرى انه يجعلك تخاف ان تعمل بطريقه خلاقه تخاف من التغيير… تخاف من المستقبل ….
انه يجعل كل صديق يبدو عدوا لك يهددك بالخطر انه يجعلك تشك في انه لكل شفقه دافعا خطيرا وكل ضربة حظ نذيرا بكارثة محتملة وكلما تقدم بنا العمر برزت مسائل وازمات جديدة لتزيد المطالب علينا وتبدو الثقة التي اكتسبناها في السنوات السابقة غير كافيه لسد مطالبنا او انها لم تؤهلنا جيدا للمهام التي نواجهها الان .
شاكر عبد موسى الساعدي – ميسان


















