
الدكتور نزار محمود الجريسي
على الرغم من أن هناك عددا قليلا من الباحثين والمختصين ممن يشكك بالآثار الإيجابية لمشروع مارشال في إعادة بناء اقتصاديات الدول الأوروبية التي تعرضت لكثير من الخراب في الحرب العالمية الثانية، إلا أن الغالبية منهم تقر بأهمية ذلك المشروع وبنتائجه على المستويين الاقتصادي والسياسي.
كان قد إبتدأ مشوار مشروع مارشال يوم 5 حزيران من العام 1947 عندما طرح وزير الخارجية الأمريكي آنذاك جورج مارشال، والذي كان قد عمل رئيساً لأركان الجيش الأمريكي خلال الحرب العالمية الثانية، مشروعه الذي حمل اسمه، حول المساعدة في إعادة بناء اقتصاديات الدول الأوروبية.
لم تكن تلك المساعدة على سبيل المنحة أو التبرع وإنما كانت على شكل قروض مرتبطة بشراء مواد أولية وغذائية وسلع أمريكية. كما أنها اشترطت التزامات معينة من الدول المستدينة تتعلق بحفاظها على استقرار عملاتها ومجالات استخدامات تلك المساعدات وضوابط في إدارة ميزانياتها المالية الحكومية.
كما أنه كان موجهاً لجميع الدول الأوروبية بما فيها الشرقية والاتحاد السوفيتي والتي كان قد شكك وزير خارجيته «مولوتوف» بنواياه السياسية فامتنع عن المشاركة في الاستفادة من البرنامج وكذلك الدول الشرقية الأخرى.
لقد بلغ اجمالي برنامج مارشال لإعادة البناء الأوروبي European Recovery Program ERP للدول التي بلغت 18 دولة أوروبية غربية ما ما يقرب من 14 مليار دولار آنذاك، أي ما يعادل اليوم 140 مليار دولار تقريباً، كان نصيب الأسد منها للمملكة المتحدة 24,75%، فرنسا 20,18%، ايطاليا 10,89%، ألمانيا 10,16%. لقد كنت تلك المساعدة قد بلغت 3% من اجمالي الناتج الاقتصادي للدول المستدينة، و2% من الناتج الاجمالي للولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما يعني أن كل مواطن أمريكي كان قد ساهم وقتها بمبلغ 80 دولار في هذه المساعدة.
لقد كانت أهداف البرنامج قد تمثلت بهدفين أساسين اقتصادي وسياسي:
- عدم خسارة الأسواق الأوروبية والشركاء التجاريين الأوروبيين بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية.
- ربط حكومات واقتصادات الدول الأوروبية بالولايات المتحدة الأمريكية بسبب التخوف من هيمنة الاتحاد السوفيتي عليها وبالتالي تحجيم دوره الأوروبي، وهو ما عرف آنذاك بـ»عقيدة ترومان».
وكان أن تمكنت الولايات المتحدة من تحقيق هذين الهدفين، كما تحقق للدول الأوروبية الغربية من تعزيز تعاونها الاقتصادي في سوقها الأوروبية المشتركة وإعادة بناء اقتصاداتها والنهوض ثانية، بحيث أنها جميعاً، باستثناء ألمانيا، أصبحت أقوى إقتصادياً مما كانت عليه قبل الحرب العالمية الثانية. كما أن ذلك البرنامج واشتراطاته قد عزز أسلوب إدارة وقيادة المؤسسات الاقتصادية على المستوى الكلي والجزئي بصورة أكثر ليبرالية مما ساهم في تسريع نموها الاقتصادي.
العراق في رؤية مشروع مارشال!
من الصعب جداً مقارنة وضعية العراق في رؤية مناظرة لدوافع الولايات المتحدة الأمريكية في مشروع مارشالها، من ناحية وقدرة العراق على تلبية متطلباته والمساهمة في تحقيق أهدافه، من ناحية أخرى. وبالطبع، سوف يقول قائل، إن طرح فكرة مشروع مارشال لإعادة بناء الاقتصاد العراقي يجب أن تتعامل مع خصوصيات وظروف العراق والعالم في الوقت الحاضر. سأحاول الأجابة على مثل هذا التساؤل والطرح من خلال الملاحظات التمهيدية التالية:
- لقد جاء مشروع مارشال على أثر ما ألحقته الحرب العالمية الثانية من دمار في اقتصاديات الدول الأوروبية الشريكة التجارية للولايات المتحدة الأمريكية والمتداخلة معها ثقافياً وحضارياً.
- لقد خلقت ألمانيا النازية بآيدولوجيتها ومسارات مصالحها ظروف تحالف استثنائي عسكري بين دول أوروبا الغربية المتضررة بصورة مباشرة من ألنظام النازي، والولايات المتحدة الأمريكية بكل خصوصياتها السياسية والاقتصادية الليبرالية والرأسمالية، من جهة، والاتحاد السوفيتي الشيوعي الأممي سياسياً واقتصادياً.
- عندما انتهت الحرب العالمية الثانية، وحصل ما حصل من أمر تقسيم ألمانيا وظهور بوادر انقسام العالم إلى رؤيتين وعقيدتين مختلفتين، لابل ومتصادمتين لا محالة، ظهرت الحاجة إلى تأمين خطوط الدفاع، لا بل والاستعداد للهجوم من كلا الطرفين. عندها بدأ سباق الاصطفافات السياسية الجديدة وتعزيز العلاقات الاقتصادية وبناء القواعد العسكرية، وهو ما تبلور بعد فترة قصيرة بتأسيس الناتو، من جهة، ودول حلف وارشو، من جهة أخرى.
- لم يكن مشروع مارشال سوى واحداً سباقاً من أدوات السياسة والاقتصاد الجديدة في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية في ظل ميزان قواها الدولية وجيوسترتيجياتها.
العراق ومشروع مارشال، بين الحلم والواقع
أعود للاستعانة ببعض الملاحظات التمهيدية في أمر شروع مارشال للعراق:
- إن العراق بلد يشكل العرب غالبية سكانه، وتدين غالبية سكانه بالدين الإسلامي. وهو واحد مما يزيد عن عشرين دولة عربية تعيش الضعف الاقتصادي وكثير من التخلف العلمي والتقني والتفاوت الاجتماعي والاختلاف السياسي. كما أنه لا يعيش تعاوناً في جيرته، وله في يساره ويمينه مواقف متشابهة من قضايا الاستعمار وفلسطين!
- يشكل النفط عماد اقتصاده الريعي، والذي ليس له في إدارته الاقتصادية سوى الإذعان إلى أسعاره العالمية، والقوة الشرائية لعملات تسويقه ومستوياته الانتاجية ومجالاته التصنيعية. بتعبير أخر يجد العراق نفسه كمن يجلس في قارب في عرض بحر، وليس لقاربه من شراع أو مجذاف، ناهيك عن حنكة ربان مطاع.
- إن عدم الاستقرار في العراق، بفعل ذاتي أو خارجي، وما يعيشه من فساد وسوء إدارة وضعف في الحرص الوطني يجعل من أمر تطبيق معايير واشتراطات أي شكل من الدعم أو المعاونة أمراً غير واقعي وغير مشجع.
- هل أن من يفكر في «مشروع مارشال» للعراق هو بالصادق والعازم على إعادة بناء اقتصاد العراق، بكل خصوصياته التي أشرت لها؟ أم أن ما يطمح له كثيرون هو شيء آخر؟ وقبل هذا وذاك: هل العراقيون مستعدين لإعادة بناء بلدهم، حتى لو تطلب الأمر شيئاً من نكران الذات؟
إنّ فكرة مشروع مارشال إعادة بناء العراق يجب أولاً أن تقوم في عقولنا وتنبت في نفوسنا وأن تهوى إليها قلوبنا وتستعد لها سواعدنا، وسنكون مرحبين وشاكرين لمن يمد لنا يد العون النظيفة!
أكاديمي عراقي مقيم في ألمانيا
















