لماذا تنهار الدول التي تكره أولوياتها ؟ – مجاشع التميمي

لماذا تنهار الدول التي تكره أولوياتها ؟ – مجاشع التميمي

في لحظة تأسيس أي نظام سياسي، أو عند كل منعطف تاريخي حاسم، تُطرح مسألة جوهرية: ما هي أولوية الدولة؟ هل هي الإنسان أم الأيديولوجيا؟ التجربة العالمية لا تترك مجالاً كبيراً للتأويل. الدول التي جعلت تنمية الإنسان وحمايته في صدارة أولوياتها تقدمت، بينما الدول التي وضعت الأيديولوجيا فوق البشر انهارت، مهما امتلكت من ثروات أو شعارات.

قرار سياسي

في الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تُعامل الموارد البشرية باعتبارها رأس المال الأعلى قيمة. حياة المواطن ليست تفصيلاً، بل محور القرار السياسي والعسكري. ولهذا لا يملك الرئيس الأميركي حق “التغاضي” عن استهداف أي مواطن، داخل البلاد أو خارجها، لأن الدولة قائمة على عقد واضح: الإنسان أولاً، ثم كل شيء بعده. هذه ليست مثالية أخلاقية، بل براغماتية سياسية أثبتت فعاليتها تاريخياً.في المقابل، تقدم الأنظمة الأيديولوجية الإنسان كقربان. فنزويلا مثال فاضح. نظام نيكولاس مادورو لم يتردد في خسارة تريليونات الدولارات وانهيار الاقتصاد وهجرة الملايين، فقط للحفاظ على أيديولوجيا معاداة الولايات المتحدة ودعم “المعسكر اليساري”. هنا لم يعد الشعب هدفاً، بل أداة. والنتيجة: دولة غنية تحولت إلى بلد طارد لسكانه.هذا النمط ليس جديداً. صدام حسين تباهى علناً بسقوط مئات الآلاف من العراقيين في حروب عبثية، وخسارة مليارات الدولارات، وهو يكرر خطاب “النصر”. المشكلة لم تكن في نقص الموارد، بل في غياب أولوية الإنسان. الدولة التي لا ترى مواطنيها سوى وقود لمعاركها، لا يمكن أن تنتج استقراراً أو تنمية. على العكس تماماً، اختارت دول الخليج الاستثمار في الإنسان قبل الشعارات. التعليم، الصحة، الاستقرار الاجتماعي، وبناء رأس مال بشري قادر على الإنتاج. لم تكن هذه صدفة، بل قرار أولوية.المسألة لا تختلف حتى على مستوى العائلة. رب الأسرة الذي يعمل من أجل استقرار عائلته ينتج أسرة متماسكة، بينما من يضع مصلحته الشخصية فوق الجميع يخلق عائلة مفككة. المنطق نفسه ينطبق على الدول.

الخلاصة واضحة: القيادة الحقيقية ليست رفع الشعارات، بل حماية المجتمع. الأيديولوجيا التي تستهلك البشر ليست مشروع دولة، بل وصفة مؤكدة للانهيار.