لماذا أكتب؟.. هذه هي الدواعي – جليل وادي

كلام أبيض

لماذا أكتب؟.. هذه هي الدواعي – جليل وادي

يا رجل : لماذا تشغل نفسك بما لا طائل منه ، إنك تحرث في بحر، فهل رأيت يوما البحر محروثا ؟، فلا أحد يقرأ ما تكتبه، استثمر وقتك بما يجدي، فالكثير من الناس مشغولة بما هو مُسّلٍ وخفيف، وذلك غير موجود في كتاباتك، بل عند الفاتنات على مواقع التواصل اللواتي يستعرضن ما هو مغرٍ ولطيف، او عند الذين يُضحكون الناس بنشر التافه من الحوادث والرديء من الكلام، كن واثقا انك لن تصبح (ترندا) مثلهم حتى وان سالت الحكمة من بين كل سطر تكتبه، صدقّنا يا أخي ان قراءة الاستهلال هي أفضل ما تحظى به، وبعدها يعطيك القاريء اعجابا ان كان مقالك منشورا الكترونيا، وربما يكتفي بقراءة العنوان فقط، وضع في حسبانك ان بعض الاعجابات تأتيك مجاملة ليس إلا، تخيل يا صديقنا العزيز الذي أفنى عمره في الكتابة، ان بعض القراء يعلقون بعبارات صالحة لأي منشور، وكثيرها يدلل على عدم القراءة او الاكتفاء بجزء من المقال: أحسنت النشر، دوام التوفيق والتألق، بارك الله فيك، ومثل هذه العبارات لا تعكس معنى لما كتبت، ومع ذلك نراك تواصل الكتابة، وهذا ما يثير استغرابنا.

هذا الكلام يردده بعض المعارف الذين يمكنهم قوله بحضوري صراحة، ولا أدري ما الذي يقوله الآخرون، ربما يصفوني بالبطران، نعم، أعرف ذلك، وما زلت مصرا على الكتابة حتى آخر يوم في حياتي، ولا مجال فيه للمناقشة، ولي في ذلك أربعة دواع: أولها المسؤولية الأخلاقية التي تطوق عنقي ازاء أهلي ووطني، فلا يمكنني بحال أن أراهما يمران بهذه المحنة دون أن يكون لي رأي فيها، فلربما ألفت نظر من بيده الأمر لموضوع او قضية معينة، او أقدم حلا لم يخطر في باله، او الثناء على ما يستحق الاشادة، او نبذ غير المرغوب به، وبذلك أسهم بقدر ما أستطيع وبحدود امكانياتي في انتشال وطني من حالة الخراب التي هو فيها، ولست مثاليا فيما أقول، بل هو ما أشعر به حقيقة، كما ان ما يقوم به الكتاب الصحفيون غاية في الأهمية، فهم يوثقون لمقطع زمني عصيب من تاريخ وطننا، بوصف الصحافة مصدرا من مصادر كتابة التاريخ، والكلام في هذا الجانب يطول، وأكتفي منه بهذا القدر.

والثاني يكمن في قناعتي بأن تغيير شخص واحد من المجتمع، وجعله يفكر تفكيرا سليما، واخراجه من عالم الأوهام الذي يسبح فيه الى فضاء الواقع والمستقبل، أراه انجازا عظيما، وهذا ما تفرضه عليّ رسالة الاعلام النبيلة، ذلك ان الكتّاب على اختلافهم يوصفون بمهندسي العقول، وتحديدا المؤمنون برسالتهم وليس الطارئين على المهنة، فالارتقاء بوعي المجتمع وتشكيل ثقافته بما هو جديد من القيم، وتعزيز ما هو أصيل، ونبذ البالي منها، هي مسؤولية كل متنور، لاسيما الذين بيدهم أدوات التغيير كوسائل الاعلام، يكفيني تغيير فرد واحد، فلا يجوز أن أقف متفرجا على الغابة التي تتشكل حولنا، بسبب تقاعسنا او شعورنا الوهمي بعدم القدرة على التغيير، المهم أن لا نتيح الفرصة للتافهين فعل ما يشاؤون.

والثالث ينبع من تخصصي في الاعلام الذي حصلت فيه على أعلى الشهادات، ولابد من حضور لي في ميدانه، أي أن لا أكتفي بالدرس الأكاديمي النظري، فكيف أقنع طلابي الذين أدرسهم الفنون الاعلامية اذا لم أكن فاعلا في الوسط الذي أهيئّهم للعمل فيه، وبتقديركم هل يعد نموذجا يحتذي به الطلبة ذاك الاستاذ الذي لا يملك منجزا اعلاميا مرئيا او مسموعا او مكتوبا.

والرابع ينطلق من ان الانسان لابد أن يترك أثرا نافعا للمجتمع، فالخلود مرهون بذلك الأثر الذي يفترض له الثبات بما يعجز النسيان عن طيه، فلا يمكن القول مثلا ان المتنبي قد مات، فما زال حيا يعيش بيننا، ولا أظن يوما يمر دون أن يستذكر الناس شيئا من ابداعه وحكمته، ومثله أريد لنفسي الخلود، وليس أكثر خلودا من الكتابة التي تُجمع بين دفتي كتاب يوضع في مكتبة، او تتصفحه الأجيال من على شاشات حواسيبها، وبه يفخر أبنائي، وبذلك أكون سعيدا في حياتي وربما بعد مماتي.

jwhj1963@yahoo.com

مشاركة