للأوصياء الجدد أقول – جليل وادي

jalil wadi

كلام أبيض

 للأوصياء الجدد أقول – جليل وادي

لن نشهد فجرا جديدا ينعم فيه الناس بالحريات والحقوق ، والبلاد بالنمو والازدهار ما لم نزح فكرة الوصاية من الاذهان  ، فالأفراد ليسوا قاصرين ، والأوصياء ما عادوا حكماء .

ومع ان للوصاية التي توشحت بالمقدس وامتلاك الحقيقة تاريخا طويلا ، لكن الواقع كشف انها نجحت في تشكيل امة وفشلت في صناعة انسان ، بدلالة روح العدوان التي تسود البلدان التي تنتعش فيها  الوصاية . بينما الامم الناهضة تلك التي تعلو فيها قيم الانسانية وتتشرب في سلوك أفرادها . انظروا حولكم اذا لم تصدقوا .

الوصاية المقدسة نظرة من نافذة ضيقة ،  لم تغص في تفاصيل الاشياء ، وأحكامها مستمدة من الماضي ، شغوفة بتجارب غارقة في القدم ، وتظنها صالحة للمستقبل ، دون التأمل في سياقاتها التاريخية . الانسان ياسادة : شغوف بحاضره ومتطلع لمستقبله فغالبا ما يتمرد على الأوصياء الذين أخفقوا في ابتكار آليات عصرية للاقناع ، فوجدوا في القمع سلوكا لاجبار الناس على ما يظنون ، وهذا ما يفسر تحول الجماعات الاسلامية المتشددة من الدعوة الى العنف سبيلا لنشر أيديولوجيتها ، فشاع القهر والذبح وسلب الحريات وتزييف الوعي ، فعم الفساد وتهدم العمران .

لقد تذرع الأوصياء بحماية الجماعة ولم يتحسسوا سليقة الانسان ، وكيف هو مجبول على اشياء بعينها وأولها حرياته ، وظنوا ان حماية الجماعة يكمن في مصادرة حقوق الافراد ، فمات في دواخل الافراد ذلك الانسان الذي نتطلع الى ان يكون واعيا للتنوع ، مرنا في قبول الاخر ، متسامحا مع العقائد ، مبدعا في خلق حياة بهيجة ، وهنا يحق لنا السؤال : أين هو الانسان ؟  لا خير في أوطان ليس فيها انسان .

قد يحاججنا الأوصياء المتأخرون من الذين أخلصوا لعقيدتهم او الذين شبكوا الوصاية بالسلطة والمال والجاه ، بالمثال الذي اليه يطمحون ، ويظنون ان شمس الامة لن تشرق الا من نافذته ، ونقول لهم ان الأوصياء الاوائل  كانت قد تبلورت في اذهانهم صورة واضحة لمستقبل يسوده العدل والتحرر يوم رفل الواقع بالعبودية والظلم والفرقة ، ومع ايمانهم الراسخ بالعقيدة الا انهم لم يجبروا الناس على سلوك منهجهم ، ولم يمارسوا سلوك القمع والقهر ، عندها اتضحت ملامح الامة وتمثل الافراد قيم الانسانية . فقبل ان يكونوا اصحاب عقيدة كانت الانسانية تفوح حتى من اذيال ثيابهم . فأورقت الامة وأثمرت انسانا لمدة وجيزة للأسف الشديد . ألم يحترم الامام علي بن ابي طالب (ع) الاقليات الدينية وراع حقوقها المدنية في الواقعة التاريخية التي مثل فيها امام المحكمة لاسترجاع درعه من رجل يهودي وقيل انه مسيحي ، مع انه قادر على استرجاعه بالقوة ،ألم يعط الخليفة عمر بن الخطاب (رض) لأهل ايلياء (القدس) المسيحيين الأمان (لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصُلبانهم، وسقيمها وبريئها وسائر مِلَّتها، أنه لا تُسكَن كنائسهم ولا تُهدَم، ) ، بينما اليوم تسبى نساء الاقليات وتفجر دور عبادتهم ، وفي البوادي والوديان تتلوع العوائل صغيرها وكبيرها ، عن اية حماية للمجتمع  تتحدثون ؟

وهكذا تمددت الوصاية حتى صارت قيمة اجتماعية، ، فصار الكل يدعي امتلاك الحقيقة ويصدر أحكامه حتى بقتل الانسان ،  مع ان الله تعالى منحه الحياة مرة واحدة في الدنيا .

وعندما تسللت الوصاية الى السياسة أنتجت لنا ايديولوجيا ومستبدين ، ومع ان بعضها لم يتعكز على المقدس ، بل استندت الى تصورات ضبابية للمستقبل لم يكن بمقدور احد الامساك بها تماما ، وكانت تظن ان مناصبة الدين العداء هي العلمانية المنشودة، فخسرنا الدولة المدنية وحفزنا الاسلام السياسي الذي ضيع الاسلام وكره العالم به . للأوصياء الجدد ، الذين جثموا على صدر الناس في غفلة من الزمن ، قولوا صراحة بلا مخاتلة ، هل تريدون دولة دينية ام مدنية ، لكي نعرف ماذا نفعل ؟ ، لكننا واثقون ان انهيار الدولة المدنية يكمن في الوصاية ، والحصيلة دولة داعشية بلباس جديد لن تتوقف انهار الدم فيها ابدا .