لعبة التوكي

لعبة التوكي

– اصطفاااااااااف…اصطفاااااااااف

– يله بنات المديره تكول اصطفو بسرعة

– احنه رايحين كدامج وانتي جيبي وياج التوكيه حتي نلعب بيها يم بيتكم……………

يوم لم تكدر صفوه غيوم..كالأمس وقبله،،نَتحيّن الفرص بين درسٍ وآخر، نتسابق الي ساحة المدرسه، تسرع احدانا لتخط بطبشورةٍ صغيره ثمانية مربعات علي الارض..

وتكتمل لذة اليوم بقطعة حجر خفيفة (التوكية) نختارها وفق ميزات خاصة ، وتتخذ مكانها كل يوم ضمن المحتويات الضروريه لحقيبة المدرسة ..أجمل ماتميزت به لعبتنا تلك والمسماة بالـ (التوكي) او (محلقو) كما يطلق عليها البعض،،هو تقديس قوانينها بكل حب،، بعد اتفاق بيننا يتم اختيار احدانا لتبدأ بالقفز بين تلك المربعات خلف قطعة الحجر ،تلاحقها،وتدفعها بأحد قدميها دون أن تمس تلك الخطوط بقدمها،فبذلك تخسر دورها..لتأخذه الاخرى.

ماكان اكثر ريبة ذلك اليوم هو موعد (الاصطفاف) في غير حينهِ ، لم يكن يوم الخميس ، ولم تكن الساعة الثامنة صباحاً، الوقت الذي اعتدناه لموعد الاصطفاف،،امر مفاجئ للتجمع بساحة المدرسة اعتبره نذير شؤم بالنسبة لي..كأن تكون هناك قوانين جديدة من ادارة المدرسة، حملة تفتيش مباغته علي ارتداء الزي الموحد،أو معاقبة من لم تربط جدائلها بأشرطه بيضا.كل تلك التخمينات تسارعت الي ذهني، ،وحالما تم اجتماعنا بشكل طوابير منتظمة في ساحة المدرسة،لم نهتف بشعارات اعتدنا ترديدها،ولم تصدح اصواتنا البريئة بالنشيد الوطني ككل صباحات الخميس..حتى دوى في آذاننا تعاقب اصواتٍ هزت الجدران المتهالكة للمدرسة،اصوات ما أعتدناها من قبل فلم يحدث أن يطلق الرصاص في مدينتي،لأن بذلك مخالفة للقانون.

لم تتمكن المديرة من قول شيء سوي أنها امرتنا،بعد أن توقف اطلاق الرصاص، بالاسراع للمنزل دون العودة ثانية للمدرسة حتي نري ذلك في نشرة الاخبار..لا اعلم حقا ان كان ذلك كل ما ارادت قوله،،ربما كانت تود اخبارنا عن شيء يدعي حرب،،او تقص علينا نبذة منه،،تلك الكلمة التي تكبر اعمارنا بكم لا متناه من الارقام….

ربما عدلت عن الحديث ،،فصوت البنادق قد ناب عنها بذلك…

لن تحتفظ ذاكرتي بالجزء المتبقي من ذلك اليوم،، لكن اكثر ما علق فيها هو تفاصيل تلك الليلة،،احد ليالي مارس ،، كنت اشعر بصوت الطائرات وكأنها تحوم بين خلايا رأسي،،وتهز أركان المنزل،انقطع تيار الكهرباء،، وصار ذلك الصوت المرعب علي مقربة منّا،، استمر طويلاً،هممنا بالخروج من المنزل،بلا امتعة،بلا حقائب،ولا حتي اوراق ثبوتية لأسمائنا،شقّ وميض الرصاص سواد الافق وتعالت أصوات المكبرات، تحدّثوا بأمورٍ لم اكن افهمها، ( راح يسوون انزال) (قوات الاحتلال) (طبو بغداد) (هليكوبتر) (امريكااااااااان) (مقاومة) (فدائيين).. جمل وكلمات كَثُر ترديدها ذلك الحين.. وانا لم أكن ادرك حقيقة الامر،ان كانت فعلاً هذه هي الحرب التي يتكلمون عنها !!!

اول ماتبادر الي ذهني بكلمة (انزال) هو هبوط مظلات ملونه تحمل الهدايا والالعاب كبابا نؤيل..في الحقيقة كنت اعيش متعة المغامرة، كمتعتي و انا اشاهد مغامرات نيلز الكارتونية،أو متعتي وأنا أدور بحلقةٍ حول وسطي من (صوندة المي) أحد أهم مقتنياتي آنذاك ،،وأنا احلمُ بالمشاركة بها بنادي هيلاهوب مع عمو وليد حبوش،وتحت وميض الرصاص وأزيزه خُيّل لي اني اقوم بتصوير احد افلام الاكشن..اجهل سبب سكينتي ذلك اليوم إن كان بسبب شغفي المتوارث بحب المغامرات أم إنّ حواسي لم تكتمل لتميز رائحة البارود من رائحة الورد،فلم استشعر الخوف حينها وكأنه لم يعرف لي سبيلاً.

كان يجدر بنا الانتقال الي احد القري بأطراف المدينة، لأنها اكثر اماناً علي مايبدو.وحال وصولنا الى بيت احد الأقارب،

احتضنت تأملاتي وأحلامي الصغيرة وغفوت علي صوت ضئيل لأغانٍ وطنية تبثها شاشة التلفاز بشكل متقطع ، وتراتيل آياتٍ من القرآن بصوت امي.

بعد عقد وأعوام استيقظتُ علي صراخ بغداد وهي تُجَر نحو مِقصَلة الاعدام ،حتي صمتت اخيراً وتواطأت مع الموت بعد ان وقعّا معاً علي بروتوكول النهاية.عقدٍ وأعوام ولم تنته تلك الدوامة،رصاص،بنادق،هروب دون امتعة،وتسميات جديدة قد أضفتها الى رصيد اكتشافاتي.يبدو اني ودعت كل شئ مُذ يومي ذاك،منزلنا، صار منزلاً للذكريات العتيقه والعناكب، ليس لي منه سوي صورة ضبابيه اختزنها بذاكرتي حتي الآن،صار الخوف يزورني لأتفه الأسباب وكأن جينات الشجاعة تلك قد أستُأصِلت مني،ولعبة التوكي فأنها لم تكتمل كما اتفقنا علي تكملتها امام منزلنا ذلك اليوم،فخطوط اللعبة قد محاها غبار الحرب،و لم يعد هناك من يتقن لعبتنا،، مثلي انا ورفيقاتي،،لأنه لم يعد هناك من يكترث لذات القوانين،أو يلق بالاً لتقديسها، بل يدنسون طهرها عبثاً،وعبثاً يضعون اقدامهم علي الخطوط لأنهم متيقنون اشد يقين ، ليس هناك من يستبعدهم من اللعبة،يكملون الدور مهما كرروا مخالفاتهم.لكنهم حتماً سيخسرون ادوارهم ويأتي من يقدس تلك القوانين،،فكل من على هذه الأرض ينتظر قدومه،امرأة صار الترّملُ لها قدراً،طاعنٌ في السن ينام محتضناً لبدلة ولده العسكرية وهو يتهدج بكاء لرحيله،طفل تكتمل أحلامه ببيع آخر علبة مناديل معه،أحلامٌ باتت تحتضر على أرض الوطن..ولعبتي فأنها لم تكتمل بعد…….

نجــــوى السلطـــــاني- النجف