لا تستهينوا بالسينما

فاتح عبدالسلام

السعودية‭ ‬قررت‭ ‬السماح‭ ‬بعودة‭ ‬دور‭ ‬السينما‭ ‬للعمل‭ ‬في‭ ‬المملكة،‭ ‬التي‭ ‬تراخت‭ ‬فيها‭ ‬قبضة‭ ‬هيئة‭ ‬الأمر‭ ‬بالمعروف‭ ‬والنهي‭ ‬عن‭ ‬المنكر،‭ ‬في‭ ‬اطار‭ ‬اصلاحات‭ ‬جوهرية‭ ‬يسعى‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬الامير‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬سلمان‭ ‬لتنفيذها‭ . ‬وقالت‭ ‬تقارير‭ ‬اقتصادية‭ ‬انّ‭ ‬المردود‭ ‬المالي‭ ‬سيبلغ‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬السنة،‭ ‬وهو‭ ‬مورد‭ ‬لا‭ ‬يستهان‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬أية‭ ‬دولة‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬السعودية‭ ‬الدولة‭ ‬الغنية‭ . ‬بلاد‭ ‬السعودية‭ ‬كلها‭ ‬تنتظر‭ ‬يوم‭ ‬الثامن‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬نيسان‭ ‬لتشهد‭ ‬افتتاح‭ ‬تلك‭ ‬السينما‭ ‬واثرها‭ ‬في‭ ‬الناس‭.‬

وفي‭ ‬العراق،‭ ‬منذ‭ ‬خمسة‭ ‬عشر‭ ‬عاماً‭ ‬لا‭ ‬أثر‭ ‬لدور‭ ‬السينما‭ ‬فيه‭. ‬

كانت‭ ‬الموصل‭ ‬خلال‭ ‬السبعين‭ ‬عاماً‭ ‬الاخيرة‭ ‬تزخر‭ ‬بدور‭ ‬السينما،‭ ‬وهي‭ ‬دور‭ ‬لها‭ ‬علامات‭ ‬في‭ ‬أذهان‭ ‬الناس‭ ‬والمثقفين‭ ‬منهم‭ ‬خاصة،‭ ‬حتى‭ ‬اضمحل‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬الحصار‭ ‬الامريكي‭ ‬للعراق‭ ‬وانتهت‭ ‬فاعليتها‭ ‬بعد‭ ‬الاحتلال‭ ‬الامريكي‭ ‬للبلد،‭ ‬وجرى‭ ‬نسف‭ ‬مبانيها‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬احتلال‭ ‬تنظيم‭ ‬داعش‭ ‬للمدينة‭. ‬الموصل‭ ‬مليئة‭ ‬بدورالعرض‭ ‬الفخمة‭ ‬والانيقة‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬العوائل‭ ‬ترتادها‭ ‬في‭ ‬أجنحة‭ ‬خاصة‭ ‬بها‭ .‬لم‭ ‬يستطع‭ ‬خطيب‭ ‬على‭ ‬منبر‭ ‬جامع‭ ‬غلق‭ ‬سينما‭ ‬واحدة‭ ‬أو‭ ‬التأثير‭ ‬على‭ ‬جمهورها‭ .‬أسوق‭ ‬الموصل‭ ‬مثلاً،‭ ‬لأنّ‭ ‬عدد‭ ‬دور‭ ‬السينما‭ ‬فيها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عددها‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ ‬بغداد،‭ ‬ففيها‭ ‬سينما‭ ‬غرناطة‭ ‬وسينما‭ ‬حمورابي‭ ‬وسينما‭ ‬روكسي‭ ‬وسينما‭ ‬الاندلس‭ ‬وسينما‭ ‬الخيام‭ ‬وسينما‭ ‬النجوم‭ ‬وسينما‭ ‬سمير‭ ‬أميس‭ ‬وسينما‭ ‬الجمهورية‭ ‬وسينما‭ ‬اشبيلية‭ ‬وسينما‭ ‬المركز‭ ‬الطلابي‭ ‬بجامعة‭ ‬الموصل‭ ‬وسواها‭ ‬لاتحضرني‭ ‬،‭ ‬ولأنّ‭ ‬الموصل‭ ‬جرى‭ ‬ظلمها‭ ‬في‭ ‬الاعلام‭ ‬المهتريء‭ ‬ووصفوها‭ ‬بحاضنة‭ ‬الفكر‭ ‬المتشدد،‭ ‬وهي‭ ‬أبتليت‭ ‬به‭ ‬حين‭ ‬تسلل‭ ‬إليها‭ ‬من‭ ‬ثغرات‭ ‬حكومية‭ ‬وأمريكية‭ ‬واضحة‭.‬

دور‭ ‬السينما‭ ‬دلالة‭ ‬على‭ ‬انتقال‭ ‬المجتمع‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬اللاإنتماء‭ ‬للعالم‭ ‬والضياع‭ ‬في‭ ‬الفوضى‭ ‬الى‭ ‬حالة‭ ‬مدنية‭ ‬تعطي‭ ‬الانطباع‭ ‬باحترام‭ ‬الناس‭ ‬للمعرفة‭ ‬والمتعة‭ ‬والفن‭ ‬والترفيه‭ ‬معاً‭. ‬

أراهم‭ ‬يعبثون،‭ ‬ويضيعون‭ ‬الوقت،وهم‭ ‬يضعون‭ ‬كل‭ ‬ثقلهم‭ ‬في‭ ‬الجانب‭ ‬الأمني‭ ‬تارةً‭ ‬،‭ ‬وينزلقون‭ ‬في‭ ‬الجانب‭ ‬الطائفي‭ ‬تارةً‭ ‬أخرى،‭ ‬ظنّاً‭ ‬منهم‭ ‬،‭ ‬انهم‭ ‬يحاربون‭ ‬الارهاب‭ . ‬لو‭  ‬عملوا‭ ‬على‭ ‬ملف‭ ‬إحياء‭ ‬الحياة‭ ‬الثقافية‭ ‬والفنية‭ ‬والمدينية،‭ ‬لما‭ ‬وجد‭ ‬الارهاب‭ ‬باباً‭ ‬يتسلل‭ ‬منه‭. ‬أعلم‭ ‬انّ‭ ‬هناك‭ ‬أولويات‭ ‬اعادة‭ ‬النازحين‭ ‬الى‭ ‬منازلهم‭ ‬وتأمين‭ ‬المسكن‭ ‬والقوت‭ ‬لهم،‭ ‬لكن‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬دوائر‭ ‬تشتغل‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬منح‭ ‬الحياة‭ ‬العراقية‭ ‬هويتها‭ ‬الحضارية‭ ‬المدينية،‭ ‬التي‭ ‬اشتغل‭ ‬الارهاب‭ ‬على‭ ‬تحطيمها‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتمكن‭ ‬من‭ ‬الرقاب‭. ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نتذكر‭ ‬أنّ‭ ‬للجامعات‭ ‬والمعاهد‭ ‬دوراً‭ ‬أساساً‭ ‬في‭ ‬ذلك‭.‬

المعركة‭ ‬تخص‭ ‬العقول،‭ ‬ولا‭ ‬شيء‭ ‬قبل‭ ‬ذلك‭ ‬أو‭ ‬بعده،‭ ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬أين‭ ‬نأتي‭ ‬بها،‭ ‬وهي‭ ‬موجودة‭ ‬ومركونة؟‭ .. ‬تلك‭ ‬هي‭ ‬المعادلة‭ ‬المستعصية‭.‬

رئيس التحرير – الطبعة الدولية