لاصراعات الأديان

سمير عبدالله الصائغ

سمير عبدالله الصائغ

قد‭ ‬يبدو‭ ‬الموضوع‭ ‬أو‭ ‬المدخل‭ ‬إليه‭ ‬شائكا‭ ‬ومعقدا‭ ‬لدى‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬لذا‭ ‬يتجنبون‭ ‬الخوض‭ ‬فيه‭.‬

لكنه‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬ليس‭ ‬كذلك‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬أخذنا‭ ‬معايير‭ ‬التسلسل‭ ‬التاريخي‭ ‬والتنقيبات‭ ‬اﻷثرية،‭ ‬وتجنبنا‭ ‬الشئ‭ ‬اﻷهم‭ ‬وهو‭ ‬التشنج‭!‬؟

ربما‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬سكان‭ ‬اﻷرض‭ ‬لهم‭ ‬دياناتهم‭ ‬التي‭ ‬ولدوا‭ ‬وتربوا‭ ‬على‭ ‬إتباعها‭ ‬واﻹلتزام‭ ‬بتعاليمها‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬إستثنائية‭ ‬قام‭ ‬بعض‭ ‬اﻷفراد‭ ‬والجماعات‭ ‬بتغيير‭ ‬أديانهم‭ ‬سواء‭ ‬رغبة‭ ‬منهم‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬أو‭ ‬قسرا‭!‬؟

والنصف‭ ‬الآخر‭ ‬ولنقل‭ ‬المتبقي‭ ‬ليس‭ ‬لديهم‭ ‬دين‭ ‬سماوي‭ ‬لكن‭ ‬بالتأكيد‭ ‬لهم‭ ‬معتقداتهم‭ ‬والتي‭ ‬أيضا‭ ‬توارثوها‭ ‬أبا‭ ‬عن‭ ‬جد‭.‬

اﻷديان‭ ‬السماوية‭ ‬بالنسبة‭ ‬لنا‭ ‬أو‭ ‬هي‭ ‬كذلك‭ ‬بالنسبة‭ ‬للجميع‭ ‬هي‭ ‬اليهودية‭ ‬والمسيحية‭ ‬واﻹسلام‭.‬

فلو‭ ‬تتبعنا‭ ‬كتب‭ ‬التوراة‭ ‬والإنجيل‭ ‬والقرآن‭ ‬وتمعنا‭ ‬في‭ ‬دراستها‭ ‬وتفكرنا‭ ‬في‭ ‬مفاهيمها‭ ‬لوجدناها‭ ‬مجموعة‭ ‬متسلسلة‭ ‬من‭ ‬من‭ ‬القصص‭ ‬والحكم‭ ‬والتعاليم‭ ‬والأمثلة‭ ‬الفاضلة‭ ‬شديدة‭ ‬التشابه‭. ‬

وهذا‭ ‬التشابه‭ ‬ليس‭ ‬مأخذا‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬اﻷديان‭ ‬فاﻷنبياء‭ ‬والرسل‭ ‬تفرغوا‭ ‬لنشر‭ ‬تعاليمهم‭ ‬المستقاة‭ ‬من‭ ‬تجاريبهم‭ ‬وبمشقة‭ ‬ومعاناة‭ ‬كبيرين‭ ‬باﻹضافة‭ ‬للرسائل‭ ‬الروحية‭ ‬السامية‭ ‬الربوبية‭ ‬والتي‭ ‬تصلهم‭ ‬وحيا‭ ‬سماويا‭ ‬لاندري‭ ‬أو‭ ‬باﻷحرى‭ ‬لاندرك‭ ‬نحن‭ ‬البشر‭ ‬العاديين‭ ‬كنها‭ ‬لها‭!‬؟

الحفريات‭ ‬اﻷثرية‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أنها‭ ‬أي‭ ‬اﻷديان‭ ‬قد‭ ‬استقت‭ ‬شيئا‭ ‬من‭ ‬طقوسها‭ ‬ونصوصها‭ ‬من‭ ‬الحضارة‭ ‬البابلية‭ ‬واﻷكدية‭ ‬الموغلة‭ ‬في‭ ‬القدم‭ ‬لبلاد‭ ‬مابين‭ ‬النهرين‭ ‬أو‭ ‬ماعرف‭ ‬بعدئذ‭ ‬بالعراق‭. ‬

وهذا‭ ‬ليس‭ ‬مأخذا‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬اﻷديان‭ ‬مادام‭ ‬الخالق‭ ‬واحد‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬بطريقة‭ ‬لانسبر‭ ‬غورها‭ ‬قد‭ ‬أوجد‭ ‬تعاليم‭ ‬تلك‭ ‬اﻷديان‭ ‬عند‭ ‬أقوام‭ ‬يبعدون‭ ‬دهورا‭ ‬عن‭ ‬تعاليم‭ ‬أول‭ ‬دين‭ ‬سماوي‭ ‬وهو‭ ‬الدين‭ ‬اليهودي‭.‬

‮«‬أقصد‭  ‬أوجد‭ ‬الخالق‭  ‬تعاليم‭ ‬هذه‭ ‬اﻷديان‭ ‬عند‭ ‬العراقيين‭ ‬القدماء‭ ‬واضعو‭ ‬لبنات‭ ‬الحضارة‭ ‬البدء‮»‬‭.‬

ثم‭ ‬جاء‭ ‬اﻷنبياء‭ ‬والرسل‭ ‬تترى‭ ‬واستقوا‭ ‬نزرا‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الحضارات‭ ‬الضاربة‭ ‬في‭ ‬عمق‭ ‬التاريخ‭. ‬

إذن‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬له‭ ‬تسلسل‭ ‬زمني‭ ‬محسوب‭ ‬ومدروس‭ ‬لاشائبة‭ ‬فيه‭ ‬لمن‭ ‬أراد‭ ‬ان‭ ‬يأخذ‭ ‬اﻷمور‭ ‬بالشكل‭ ‬المنطقي‭ ‬العقلاني‭. ‬

ومثال‭ ‬على‭ ‬ترابط‭ ‬التعاليم‭ ‬بين‭ ‬المعتقدات‭ ‬والديانات‭ ‬فإن‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬تعاليم‭ ‬اﻹسلام‭ ‬وجدت‭ ‬قبل‭ ‬قرون‭ ‬في‭ ‬الزرادشتية‭  ‬‮«‬ولايمكن‭ ‬ﻷحد‭ ‬إنكار‭ ‬التشابه‭ ‬الكبير‭ ‬بين‭ ‬الزرادشتية‭ ‬كمعتقد‭ ‬واﻹسلام‭ ‬كدين‮»‬‭.‬

ان‭ ‬معتقد‭ ‬الزرادشتية‭ ‬او‭ ‬لنقل‭ ‬دين‭ ‬ان‭ ‬صح‭ ‬التعبير‭ ‬ولغرض‭ ‬اﻹيضاح‭ ‬غير‭ ‬سماوي‭ ‬فيه‭ ‬مقولة‭ ‬جاءت‭ ‬في‭ ‬اﻹسلام‭ ‬كحديث‭ ‬نبوي‭  ‬وهي‭ ‬‮«‬لايلدغ‭ ‬مؤمن‭ ‬من‭ ‬جحر‭ ‬مرتين‮»‬‭  ‬وأشياء‭ ‬أخر‭.‬

نأتي‭ ‬على‭ ‬دين‭ ‬كل‭ ‬فرد‭..‬ليس‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬داع‭ ‬ﻷن‭ ‬يقول‭ ‬ويدعي‭ ‬أيا‭ ‬منا‭ ‬أن‭ ‬ديني‭ ‬هو‭ ‬اﻷفضل‭ ‬وعليكم‭ ‬إتباعه،‭ ‬فنحن‭ ‬نرى‭ ‬ونعيش‭ ‬تعصبات‭ ‬وتحزبات‭ ‬تفرق‭ ‬حتى‭ ‬بين‭ ‬أشياع‭ ‬الدين‭ ‬الواحد‭!‬؟

ومرة‭ ‬أخرى‭ ‬أقول‭ ‬لنأتي‭ ‬على‭ ‬دين‭ ‬كل‭ ‬فرد‭ ‬وأضرب‭ ‬مثلا‭ ‬بنفسي‭ ‬أنا‭ ‬مسلم‭ ‬ﻷني‭ ‬ولدت‭ ‬ﻷبوين‭ ‬مسلمين‭.‬

ولو‭ ‬كانت‭ ‬عائلتي‭ ‬يهودية‭ ‬لرأيتني‭ ‬حاملا‭ ‬التوراة‭ ‬وواقفا‭ ‬عند‭ ‬حائط‭ ‬المبكى‭ ‬أصلي‭ ‬هازا‭ ‬رأسي‭ ‬ممارسا‭ ‬للطقوس‭ ‬التلمودية‭.‬

ولو‭ ‬ان‭ ‬حسن‭ ‬البنا‭ ‬ولد‭ ‬ونشأ‭ ‬في‭ ‬عائلة‭ ‬مسيحية‭ ‬ﻷصبح‭ ‬ربما‭ ‬أسقفا‭ ‬لكنائس‭ ‬مصر‭ ‬والمشرق‭.‬

إذن‭ ‬وبالنتيجة‭ ‬المنطقية‭ ‬السلسلة‭ ‬والسهلة‭ ‬نعود‭ ‬ونؤكد‭ ‬على‭ ‬ان‭ ‬جميع‭ ‬اﻷديان‭ ‬هي‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬التعاليم‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالخالق‭ ‬الله‭ ‬الواحد‭ ‬اﻷحد‭.‬

مضافا‭ ‬لها‭ ‬طرائق‭ ‬البشر‭ ‬على‭ ‬اﻷرض‭ ‬وإكتشافاتهم‭ ‬وخبراتهم‭ ‬المكتسبة‭ ‬سعيا‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬تطبيقات‭ ‬عادلة‭ ‬تساوي‭ ‬بين‭ ‬كل‭ ‬بني‭ ‬البشر‭. ‬

وإذن‭ ‬والحالة‭ ‬هذه‭ ‬توجب‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬إنسان‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬هذه‭ ‬البسيطة‭ ‬ان‭ ‬يحترم‭ ‬دين‭ ‬اﻵخر‭ ‬ومعتقده‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬له‭ ‬دين‭ ‬سماوي‭. ‬

جاء‭ ‬في‭ ‬الحديث‭ ‬النبوي‭ ‬الشريف»الناس‭ ‬سواسية‭ ‬كأسنان‭ ‬المشط‮»‬

ويقول‭ ‬اﻹمام‭ ‬علي‭ ‬عليه‭ ‬السلام»الناس‭ ‬صنفان‭ ‬إما‭ ‬أخ‭ ‬لك‭ ‬في‭ ‬الدين‭ ‬أو‭ ‬نظير‭ ‬لك‭ ‬في‭ ‬الخلق‮»‬‭.‬

سمير‭ ‬عبدالله‭ ‬الصائغ