وسامة النص في مذهب هيرقليدس
كولاج تأويل يجمع بين أربعة شعراء شباب
علي شبيب ورد
مفتتح
لَشَدَّ ما يثير استغرابنا، هو تعامل بعض المتلقين، مع نصوص الشباب، وفق جعبة مسلَّمات جاهزة، حول النص المفترض والمتوافق مع ذائقتهم. هذه الجعبة السلفية، تفضي بهم الى التمنّع عن قراءة النصوص الجديدة، بسبب موقفهم التصفيري المتشائم جراء تفشي الخراب في الراهن الثقافي. نحن لا نشير الى أحد أو جهة ما، بل ننبه أنفسنا ابتداءً، الى خطورة هكذا موقف ماحق، لمنجز لا يمكن أن يخلو من نضارةٍ تعد بالكثير. فالابداع ليس حكرا على أحدٍ، مهما بالغت الماكنةُ الاعلامية في تهويله، لأن الابداع لو توقف عند أحدٍ ما، لما وصل إليه أصلا. وحيث أن التغيير وعدم الثبات هو سنة الحياة والطبيعة والكون، لذا ليس غريبا أن ينبري في كل زمان أدباء جدد. إذن علينا، أن لا نتعامل وفق مبدأ سلفي متشائمٍ يقول (ليس بالإمكان أبدع مما كان) كي لا نضع العراقيل أمام المتطلعين الجدد.
واعتمادا على ما ذهب إليه هيرقليدس بقوله: الشيء الوحيد الثابت في الحياة هو التغيير المستمر فلا ثبات في الذاكرة الثقافية إلاّ للحركة الدائبة والتجدد المستمر. وانطلاقا من عدم ايماننا بما نسميه((الطائفية الشعرية)) ولامتعاضنا من حروب أيديولوجيا الشكل الشعري، التي يتبناها البعض، سعيا للحضور الاعلامي. ينبغي ان نتخلص من تصوراتنا المتوارثة، عن وظيفة الشاعر القديمة، ونبدد الهالة المفبركة حوله اعلاميا. كي لا نبخس دور غيره من الشعراء، وأن نهتم بنص الشاعر فقط، لا بعمره الأدبي، ولا بسواه من المعايير الطاردة للجديد.
وحيث أن الكتابة عموما، هي ممارسة لغوية، للتعبير عن رؤانا في تأويل قراءتنا للعالم المعاش، بوصفه نصا، مخافة نسياننا لتلك الرؤى. ولأن ما يعنينا هنا، هو كتابة الشعر، الذي يعدُّ أسرع الأجناس الأدبية إغواءً وتوصيلا للمتلقي. نجد أن الشعرَ بعد أن كان مثيرا لاهتمام الحشود الغفيرة، بل والأقوام والأمم، تحول الى فعل تعبيري لا يستهوي إلا القلة. وضعف دور (الشاعر المركزي) بفعل عوامل شتى، ومن أهمها، اندحار الاعلام الأحادي للمؤسسة الكتاتورية. لذا ووفق تصوراتنا أعلاه، يتشكل كولاج تأويلنا للنصوص الماثلة امامنا، على هيئة (اجرائين فاحصين) يليهما (استنتاج رؤيوي) وكما يلي:
تناول وعنونة/ اجراء اول
نتوقف أدناه، عند نصوص أربعة شعراء شباب(1 ) لمسنا نشاطهم المتطلع نحو تعزيز حضور تجاربهم الكتابية، في الساحة الثقافية. وهي على التوالي: نص(التسلل الى الحياة) للشاعر (ايهاب شغيدل) ونص(كل الخطى مجيء) للشاعر (حسين المخزومي) ونص(سفرُ وطنٍ مخلد) للشاعر (زيد القريشي) ونص(انثيال) للشاعر (عدي السراي). وبغض النظر عن شكل مثول النص أمامنا، كونه يخص الشاعر وحده، ولا يحق لنا التدخل بخياراته، التي تحددها ثقافته ومرانه وظروف تشكّل مشغله الكتابي. نخلص الى أن شكل النص، هو نتاج تجربة الشاعر القابلة للتحول على الدوام، ولسوف نتعامل مع النصوص الماثلة لاجرائنا الفاحص هذا، وفق ما لمسناه نحن فقط.
الشاعران (إيهاب شغيدل) في نصه (التسلل الى الحياة) و(زيد القريشي) في نصه(سفرُ وطنٍ مخلد) تناولا ثيمة الوطن، مع اختلاف، أن الشاعر(إيهاب شغيدل) عرج على واحدة من حوادث تداعيات راهنه الدموي. بينما ذهب الشاعر(زيد القريشي) الى الافتخار بتاريخه المجيد وارثه الحضاري، حيث كان نهر اشراق معرفيا وانسانيا لسواه. غير أن الشاعر(حسين المخزومي) في نصه(كل الخطى مجيء) يكشف عن مأزق الوجود الانساني، عبر تصوره للحياة التي يعيشها وكأنه يتنقل بين مقابر متجاورة. في حين يأخذنا الشاعر(عدي السراي) في نص(انثيال) الى منطقة الحب، بكل ما فيه من أحزان وأفراح، ودلالات انسانية.
كما يمكن الاشارة هنا، الى أهمية العناية بالعنوان، لما له من منافع متنوعة ضمن منظومة البث في النص عموما والشعري تحديدا. وذلك لما للعنوان من وظائف اتصالية متنوعة، ومؤثرة في كسب ود المتلقي، ومن اهمها، التعريف/ الإغواء/ التوجيه/ التعبير/ وسواها. وهذا ما تبين لنا في رأي (لوي هويك) الوارد في كتابه (سمة العنوان) الذي اشار فيه الى أن العنوان هو ( مجموعة العلامات اللسانية، من كلمات وجمل، وحتى نصوص، قد تظهر على رأس النص لتدلَّ عليه وتعيّنه، تشير لمحتواه الكلي، ولتجذب جمهوره المستهدف ). 2)).
وما يتعلق في عناوين النصوص الماثلة، نجد أن بعض العناوين، جاءت منتقاة بعناية فائقة، مما منحها كفاءة مكنتها من اثارة دهشتنا، ومن ثم تحريضنا على افتراض اسئلة والبحث عن أجوبة محتملة لها. وهذا ما تمثل في عنوان (التسلل الى الحياة) يليه عنوان (كل الخطى مجيء). بينما لم نلمس العناية في انتقاء البعض الآخر، الذي كان أقل ادهاشا ومن ثم تحريضا للأسئلة. وهذا يتضح في عنوان (سفر وطنٍ مخلد) الذي يركن لبلاغة صوتية، يليه عنوان (انثيال) الذي كثر استعماله.
تمويهات اتصالية/ اجراء ثان
وبعد قراءتنا لمتون النصوص، نود أن نتوقف هنا عند أهم سمات اللعبة الكتابية للشاعر، ألا وهي محاولته في صياغة نسق كتابي ذي انزياح دلالي موارب. فقد عمل الشاعر (ايهاب شغيدل) في نصه، على المقاربة بين الحياة والعالم الآخر، وفق سياق تهكمي صادم، حول مذبحة فتيان ملعب الحلة. وذلك بعمل تداخل مشهدي، بين فوضى الحياة ونظام كرة القدم، حيث كارت الطرد من ملعب الحياة، واللعب بدموع ذويهم، ومصيدة تسلل ذويهم الى الحياة. ولعل هذا المجتزأ من النص، يبين الهدم التقني، للحد الفاصل بين الحياة والموت، لتحقيق التشويق الاتصالي المطلوب.
( إنهم يلعبون الآن بدموعِ الجميع
بينما تكفيهم
دمعةٌ واحدةٌ
يمررونها بينهم
كما الكرة !
قد تجعلُ
اللهَ يساعدُ ذويهم
في تنظيمِ الصفوفِ
وتطبيقِ مصيدةِ التسلل
إلى الحياة..)
بينما في نص الشاعر(حسين المخزومي) نواجه تنويعات مشهدية، قائمة على مفارقات لغوية، مأخوذة من مرجعيات متضادة، او مناطق دلالية متباعدة. وهو بهذه التضادات في التراكيب اللغوية ينتج أنساقا سيميائية مثيرة لاعجاب المتلقي، كونها تفضي الى أنساق دلالية صادمة. فمثلا: النجاة في الغرق، وكان بوسع أمه اختصاره الى برق، وخوفه من زيارته لقبره الفارغ منه، وسواها، هي تقنيات كتابية تتسم بكفاءة بث. وتحرض المتلقي على مواصلة قراءة النص دون ملل، وتدعوه الى الافادة من خزينه المعرفي لانتاج نصوص تأويل محتملة حول الوجود.
( متى اغرق حتى انجو
لم اشأ ان اكون ضوءا
كان بوسع امي ان تختصرني
تلدني برقا المع لحظة واموت
او قد اكون مت..
لكن اخاف ان ازور قبري واراه فارغا
واموت من الصدمة
سأترك مخاوفي ورائي
واحمل جسدي في حقيبة
واسافر الى قبر آخر).
الشاعر(زيد القريشي) يعمد في نصه، الى إثارة سؤال كبير لا يخلو من أسئلة شتى مجاورة، حول الغائب والنائي والمستور، في الآتي من الأزمنة وأحداثها. والمتن عموما يشير الى ملكة الشاعر اللغوية، وقدرته على صياغة بيت شعري، يتوفر على مشهد تعبيري مؤثر. وهو يؤنسن الوطن، من خلال التعبير عنه وكشف سفره البهي، منذ لحظة ولادته واشراقه من ضياء الشمس وبهاء الحلم وندى النماء والخضرة. ونلمس فيه لعبة كتابية قائمة على التداخل بين شخصية الشاعر وشخصية الوطن، وكذلك بين بنية الوطن وبنية النص، لخلق المتعة لدى المتلقي.
( كم من سؤال ٍ
في الرَّبيع سيكبر ُ
يمشي على متن ِالرياح ويعبر ُ؟!
فأنا المكان ُ
ومدينة ٌبيضاء ُ
فيها وجه ُشمسي يبهر ُ
أروي ولادة َموطن ٍ
كان الندى يبكي
وتشهدُ بالخضار الأسْطرُ )
في حين أن الشاعر (عدي السراي) تمكن في نصه، من اعتماد بلاغة الايجاز، والتي تقوم على الاهتمام بالاقتصاد اللغوي، عبر تخليص النص من المفردات والتراكيب المفضية الى الترهل. مع الانتباه الى أن تكون الكلمات والتراكيب والجمل والمقاطع، عالية الكفاءة في انتاج الإيحاء الدلالي المؤثر في المتلقي. كما أنه كان حريصا على انتاج مقاطع شعرية مربكة لأفق التلقي، من خلال انزياحاتها الدلالية الى مناطق أخرى غير التي تبدو عليها أول وهلة. فهو يستخدم عبارات من قواعد الاعراب النحوي، ويحملها مدلولات أخرى، توميء بفطنةٍ الى مناخات إيروتيكية.
( تأجلتُ حتى احينَكِ
وصوبَ اينكِ
كدتُ لأبلُغَني
فتهتُ وما بيننا ضمةُ واحدة
وشدتان
وفتحٌ
فسكونٌ اخير ).
استنتاج رؤيوي
مهما تنوعت جهود ومسالك انتاج المنجز الابداعي، وتعددت محاولات ابتكار سياقات جديدة لتنفيذه، فانها بالتالي تشي الى أن المبدعين عموما، والشعراء الماثلين تحديدا، يسعون دائما لاثارة اهتمام المتلقي. عبر انتاج أثر ابداعي يتوفر على خصوبة اتصالية، مبعثها تعددية المعنى وتحولاتها عبر الأزمنة، والتي تمنحه التنوع الدلالي، لنفس المتلقي بعد كل قراءة. حيث ( إن الأثر لا يخلدُ لكونه فرضَ معنى وحيدا على أناسٍ مختلفين، وإنما لكونه يوحي بمعانٍ مختلفة لإنسانٍ وحيد، يتكلم دائما اللغة الرمزية نفسها خلال أزمنةٍ متعددة. ) – حسب رونالد بارت- (3).
من هنا وبعد ما تقدم أعلاه، ننوه الى أننا توقفنا بعجالة أمام أربعة نصوص لشعراء شباب، توفروا على حرص شديد في بذل جهد متطلع صوب ترسيخ وتطوير تجاربهم الكتابية.
منطلقين من وعيهم الحاسم لأهمية اللغة، بما تمتلكه من طاقات خلاقة، في تكوين تعــــــددية أصوات النص.
. وكذلك في تشكيل أنساق منظومة بثه أفقيا وعموديا، وفي منحها بلاغة جمالية، تكتنز على طاقات بوح مؤثر في أيقونيته العلامية وتشفيراته الدلالية.
كما أن هذه النصوص، كان الراهن محور خطابها الاتصالي، فمن أحداثه انطلقت، وفي أمكنته تحركت، ووفق تطلعات شخوصه اتصلتْ. النصوص كتبتها ذواتٌ لم تكن أبدا، منسجمة أو متآخية، مع أنساق وجودها المضطرب بالفوضى، تلك المنتجة للخراب والضغينة والرعب واليباب والمحو.
هذه النصوص، نلمس في كلٍّ منها، ذات مبدعة ظانة قلقة، ذات متفكرة غير مطمئنة لما جرى ويجري خارج نصها الذي انجبته. لأنها ذات متطلعة، تتحرك وفق نظرة انسانية متجردة، باحثة في الهوامش، عمّا ينفع في بلسمة جراح الراهن. وانطلاقا من رؤيتها الحالمة المتحررة حتما، والمتمردة على الثوابت المعرقلة للنماء، تتدوّس كلَّ التخوم، وتتفرس في أعمق المفاوز، لتهميش المراكز، ومركزة الهوامش.
إن ذات الشاعر في النصوص المفحوصة، هي عليمة في الوقائع، وعارفة في آليات تكثيفها في أنساق النص. وذلك عبر تأويل جاد وغير منصاع للانسان (الرمز السوبر) الذي تصوره مؤسسات سلطات القمع، بكل تنويعاتها ومنطلقاتها الماحقة للآخر. لقد ولجنا نصوصا تمكنت من امتاعنا، وتحديد موجهات قراءتنا لها، ومن ثم منحتنا فرصة افتراض وانتاج نصوص تأويلنا المحتملة.
لذا نخلص الى أننا اجرينا كولاج تأويلٍ فاحصٍ، لأهم ملامحِ منحِ النصوص، أسباب وسامتها الجمالية، المتوافقة مع الوظيفة الجديدة للشعر. تلك الوظيفة المتمثلة في تحرره من سلطات القمع، وتمرده على أبوية أنساق الفائت، المكرسة لقدسية المركز، المكفر لحراك الهامش.
ونحن على ثقة أكيدة بأن الآتي يحـــــــــتمل الأكثر تطلعا، للتحرر والتمرد والخرق. ولسوف يجود للذاكرة الثقافية بنص أكثر وسامة جمالية، وأخصب فاعلية اتصالية، على الرغم مما يمور في الراهن من اضطرابٍ وسراب ويباب وضمور.
————–
اولا -نصوص الشعراء، ألقيت في أصبوحة نادي الشعر في الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق/ يوم السبت/ 28/ 8/ 2016.
ثانيا -كتاب (عتبات من النص الى المناص) جيـــــــــــــــــرارد جينيت/ الدار العـربية للعلوم ناشرون/ بيروت 2008/ ص67.
ثالثا- انظر كتاب( مفاهيم الشعرية ) حسن ناظم/ المركز الثقافي العربي/ بيروت 1994/ ص135.


















